المقالات
منوعات
موقف الإسلام من الشّـعر والشعراء...؟
موقف الإسلام من الشّـعر والشعراء...؟
12-17-2011 03:34 PM

موقف الإسلام من الشّـعر والشعراء...؟

مصطفى قطبي
[email protected]

للعرب في جاهليتهم خلق مستملح مقبول، وآخر مستقبح مرذول، ثم جاء القرآن الكريم فنهى عن الثاني، وصادق على الأول صراحة أو ضمناً، والأمثلة في هذا المضمار يكاد تكرارها يكون من نافلة القول. لذلك رأينا أن نتناول الموضوع من زاوية جديدة هي زاوية الشعر، ولا نقصد من هذه الدراسة المقابلة بين القرآن الكريم وبين الشعر كمصدرين من مصادر الأخلاق، وحصر أوجه الاتفاق الاختلاف بينهما، ونبادر فننفي عن أنفسنا هذه الشبهة، ونربأ بالقرآن أن يستوي في كفة ميزان مع مصدر آخر مهما كان. ومن هنا فنحن نهدف بهذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على كل مصدر منها، ثم إلى بيان مدى اتفاق المصدرين آخر الأمر، كما نعرض لأمثلة من إقرار الرسول صلى الله عليه وسلّم وعمر رضي الله عنه للجانب المقبول من خلق ما قبل الإسلام، الذي سجله وامتدحه هذه الحقبة من الزمان، وفي خاتمة البحث نتطرق إلى بيان وظيفة الشعر والشاعر كمصدر أخلاقي بعد الإسلام.
الشعر قبل الإسلام كمصدر خلقي:
كان الشعر العربي قبل الإسلام مستودع المناقب والمفاخر والأنساب، والدستور الخلقي الذي يعرف منه الخلق الحميد والخلق الذميم. هو الذي استحسن النجدة والشهامة والمروءة والفروسية وإكرام الضيف، وذم الجبن والبخل والشح والخذلان وكل فعل يجري على خلاف ما تعارف عليه العرب قبل الإسلام من خلق حميد. فكم من بيت شعري رفع منزلة قبيلة كما فعل الحطيئة بقبيلة أنف الناقة إذ قال فيهم :

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن ذا يساوي بأنف الناقة الذنبا

وكم من بيت خفض منزلة قبيلة أخرى إلى الحضيض، ومن منا ينسى هجاء الحطيئة للزبرقان بن بدر... فإلى الشاعر العربي كان يرجع العربي ليتعرف القيم الأخلاقية المفضلة، ويستقصى المناقب التي تستحب من الإنسان في حياته الخاصة أو حياته الاجتماعية. يرجع العربي إلى الشاعر ولا يرجع إلى الفيلسوف أو إلى الزعيم أو الباحث في مذاهب الأخلاق، ويعلم كل قارئ عربي ـ كما نرى مع العقاد ـ أنّ الشاعر الحكيم أبا تمام إنّما قرر حقيقة علمية حين قال :

ولولا خلال سنها الشعر ما دري بناة العلا من أين تؤتى المكارم

ففي الشعر العربي تنويه بكل صفة من صفات المروءة والفتوة، وإزراء بكل عيب من العيوب التي تشين صاحبها بين قومه، وبيان واف للأخلاق التي تحكم الحياة فعلاً أو ينبغي أن تحكمها وتتراءى فيها مرجحة مشرفة بين سائر الأخلاق. ومن عجب أنّ العربي لا يرجع إلى الشاعر ليسأله عن المذاهب الفلسفية ذات الشروح والحواشي وذات العلل والنتائج، لأنّه يجد عنده شيئاً أقرب إلى حسه وفهمه وعمله، يجد \"\" شخصيات حية \"\" تتمثل في كل منها صورة من صور الحياة كما هي، وكما يتمناها. وإنّه ليشعر بالمجاوبة بينه وبين هذه الشخصيات في جوانب كثيرة من ذات نفسه وذات ضميره. يشعر بها حين يغتبط بحظه من الأخلاق ويعتقد أنّه على شيء من تلك الصفات التي يحمدها الشعراء. ويشعر بها حين يتعزى عن فقدان الأخلاق الفاضلة في المجتمع، فيردد أبياتاً من الشعر يستشهد بها لغيره، ويجد في الشعر العربي شخصيات حيّة تناسب كل حالة وكل سن وكل مزاج: يجد شخصية الشاب المغامر، وشخصية الكهل الناضج، وشخصية الحكيم. وكلهم نموذج من نماذج الشخصية الإنسانية على سليقتها، وصورة مستوفاة لحياة واقعية. ففي شعر الجاهلية مثلاً، نموذج لشخصية الشاب طرفة بن العبد، وشخصية الكهل حاتم بن عبد الله، وشخصية الشيخ زهير بن أبي سلمى، وكل منهم موصوف في شهره على حقيقته، بالإضافة إلى أنّه واصف صادق للقيم الأخلاقية كما تواضع عليها المجتمع في عصره، وكما أنّه يتمنى أن تسود في الناس كافة.
شخصية طرفة بن العبد: لم يعمر طرفة طويلاً، فلم يشرف على الثلاثين إذا أخذنا بقول أخته في رثائه، ولد في بيت عريق لكنه فقد أباه فنشأ يتيماً، ولم ينل من أعمامه حقه وابتلي بالظلم، فاستقل برأيه وذهب يغامر في الحياة ولا يبالي الموت إذ عاش عيشة النعيم ومات ميتة الكريم.

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي

وهو في رأي العقاد نموذج للشاب النبيل الذي يرضي نفسه ولا يرضى عنها إذا تخلفت عن أنداده ونظرائه في مقام الشجاعة والندى.
شخصية حاتم بن عبد الله: هو مثل من أمثال الرجولة الناضجة وقدوة للسيد المسؤول عن قومه، وإلى هذا اليوم يعرفون من هو حاتم هذا، والذين لا يعرفون منه إلاّ إسماً أصبح في عداد الصفات الدالة على النبل والكرم. واتفق الرواة على أنّه : ( رجل يصدق قوله فعله، إذا قاتل غلب، وإذا سئل وهب، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق ). وقد شهدت ابنته البعثة الإسلامية وجيء بها مع أسرى قبيلتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: \"\" يا رسول الله أهلك الوالد وغاب الوافد، فامنن علي من الله عليك، قالت: فكساني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملني، وأعطاني نفقة \"\". وجملة ما يقال عن هذا النموذج أنّه كان سيداً ينهض بأعباء قومه ويخجل من العيش الرغد إذا كان في قومه من يشقى بالفقر والأسر، ويكرم نفسه مع الحلم في ساعة الغضب، قائلاً وعاملاً بما يقول:

فنفسك أكرمها فإنّــك إن تهن عليك فلن تلقى لك الدهر مكـرماً
تحلم على الأدنين واستبق ودهم ولن تستطيع الحـلم حتى تحلـما
وأغفـر عوراء الكريـم ادخاره واصفح عن شـتم اللئيم تكـرما
لحى الله صعلوكاً منـاه وهمـه من العيش أن يلقى لبوساً ومطعما

ومن أجمل أقواله التي سبق بها القائلين، أنّ المال عبد وليس بسيد:

إذا كان بعض المال رباً لأهله فإنّي بحمـد الله مالي معـبد
ولا أشتري مالاً بغدر علمته ألا كل مال خالط الغدر أنـكد

فشريعة الرجولة في هذا النموذج الأخلاقي الحي، أنّها حلم مع قوة، وعفة مع شجاعة، وكرم مع وداعة وطيبة، وأنّها حقيقة عملية وليست أمنية من أماني المثل الأعلى.
شخصية زهير بن سلمى: يعرض لنا زهير قيم الحياة الفضلى كما يتمثلها قبل الإسلام شيخ واسع التجربة، خبير بحوادث الأيام في زمانه وقبل زمانه، فيقول:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعـش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم
واعلم علم اليوم والأمس قـبله ولكنني عن علم في غد عم
وما الحرب إلا ما علمتم وذقـتم وما هو منها بالحديث المرجم

وقد جمع زهير في قصيدته \"\" الميمية \"\" هذه الصفات المثلى كلها في أبيات شهيرة، يشيد فيها بحسن السياسة، وبالفضل والوفاء، وبالقيام بمطالب العشيرة، كما يشيد فيها بالإقدام والذي لا يهاب صاحبه أسباب المنايا، وبالصراحة التي تنبو عن النفاق ويأمر بالمعونة، ولكنه ينهى عنها في غير موضعها ولغير أهلها :
ومـن لا يصانع فــي أمور كثيـرة يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضلــــه على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن يجعل المعروف في غير أهلــه يكن حمده ذماً عليـه وينـدم
ومن يغترب يحسب عدواً صديقــه ومن لا يـكرم نفسه لا يكـرم
وإن سفـاه الشيخ لا حلـم بعــده وإن الفتى بعد السفاهة يحـلم
لسان الفتـــى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والـدم

ولا يخفى أنّ هذه القصيدة أو في قصائد الشعر الجاهلي في وصف قيم الحياة والأخلاق الفضلى، كما يتمثلها شاعر جاوز الثمانين وقضى العمر في عراك العيش بين الحرب والسلم، وبين الشدة والرخاء، قام بتكاليف الحياة حتى سئمها، لكنه أراد أن يمحصها خالصة لمن لا يسأمها ولا يزال يعانيها، ولا يغيب عنك أيها القارئ الكريم أنّ زهير اهتدى إلى معاني قصيدته وتمثلها وأداها بحس العربي المرهف، وفطرته السوية وشاعريته المطبوعة، وليس أغنى من الشعر الجاهلي بهذه المذاهب الأخلاقية معروضة في شخصيات حية تستمد قيمتها من وحي المجتمع العربي وفي نطاقه، ويتسع فيها المجال لتطور كل شخصية على حسب اختلاف السن والمزاج وتجارب الأيام. روي عن أبي عمرو بن أبي العلاء، أنّه قال: كان للشعراء عند العرب في الجاهلية منزلة كمنزلة الأنبياء في الأمم، حتى خالفهم أهل الحضر فاكتسبوا بالشعر، فنزلوا عن رتبتهم... ثم جاء الإسلام ونزل القرآن بتهجيته وتكذيبه، فنزل رتبة أخرى.
الشعر كمصدر خلقي بعد الإسلام:
جاء الإسلام وكان من الطبيعي أن يعمل على تغيير هذه المكانة المقدسة التي نالها الشاعر في الجاهلية، وهذا أمر طبيعي لمجيء الإسلام كدين جديد جاء للمجتمع بكل جديد، إذ أخذ الإسلام ينفي النظرة إلى الشاعر الجاهلي، وما يستتبعها من قداسة واحترام... وكان من الطبيعي أيضاً أن يطرح الإسلام مفهوماً جديداً للشعر يقترب من المفاهيم التي طرحها الإسلام عن الحياة، والدخول في الإسلام يعني التسليم بمجموعة متكاملة من القيم والمبادئ، فإذا نظم الشاعر شعره وتذوقه في إطار التسليم بهذه المبادئ فإنّه لابد أن يتجه إلى ناحيتين أساسيتين: الأولى: إيجابية وتتصل ببناء وجدان الإنسان المسلم، وضرورة دعم القيم التي أقرها الفكر أو التكوين الإسلامي. الثانية: وتتصل بالجانب الدفاعي عن هذه القيم والمبادئ، وهنا يتعين على الشاعر أن يتجه إلى العمل ضد القيم المضادة للقيم الإسلامية، وكذلك الدخول في صراع مع الجاهلية واتجاهاتها ومبادئها فهو بهذا يثبت القيم الإسلامية من ناحية... وينفي المبادئ والقيم الجاهلية من ناحية أخرى، فإذا تحدد للشاعر الإسلامي المعالم التي يسير عليها في اتجاه المفهوم الإسلامي، لابد أن تتغير النظرة إلى الشعر الجاهلي، وبالتالي تتغير وظيفته، ومن هنا تختفي فكرة الوحي والشياطين، ويصبح الشعر الجديد بمفهومه الإسلامي الجديد كائناً في جماعة لها دستور هو الإسلام... والشاعر يتلقى من هذا الدستور قيمه الأساسية، بمعنى أنّه لم يصبح طوع الجاهلية، أو أسيراً لعقيدتها يشكل تصوراته على ضوء مبادئها ويدافع عنها، بل أصبح ملتزماً بدعوة، يعمل لها، ويدور حول إطارها الأساسي، وبالتالي تتحدد للشاعر ماهية الشعر في أنّه نشاط من الأنشطة الإنسانية، له القدرة على التأثير في الجماعة الإسلامية، وذلك حين يعرض الحقائق والقيم التي أقرها الإسلام عرضاً من شأنه أن يقوي أثر هذه القيم في الناس، بوسائل أقرها الإسلام نفسه.
موقف القرآن من الشعراء:
يشير القرآن إلى الشعراء داخل سياق الآية في قوله تعالى:(هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون، والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنّهم في كل واد يهيمون، وأنّهم يقولون ما لا يفعلون، إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً، وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ). ففي هذه الإشارات القرآنية يمكن أن نلمح عدّة أشياء: أولها: أنّ الشاعر بمجيء الإسلام قد انحدرت مرتبته التي حظي بها أيام الجاهلية ولم يعد هو ذلك الذي يستحق الاحترام الكامل والتقديس التام. ثانيها: أنّ الشعر في هذه الآيات مرتبط بصفات الغواية والكذب والخيال، وهي صفات ينفيها الدين الجديد، ويبتعد بها عن المسلم الذي ارتبط إيمانه بالله، ومن هنا نفى القرآن الكريم عن الرسول قول الشعر وهاجم بشدة أولئك الذين زعموا أنّ القرآن ضرب من ضروب الشعر. يقول الله تعالى:( وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلاّ ذكر وقرآن مبين ). فالقرآن الكريم يشير هنا إلى لفظة \"\" شعر \"\" الأدبية. وهذه الإشارة إلى لفظة شعر تفرق في حسم بين الشعر والقرآن الكريم والقرآن ينفي أيضاً في الآيات صفة \"\" شاعر \"\" عن النبي، يقول الله تعالى: ( بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر )، ويقول عز وجل: ( إنهم إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون، ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون، بل جاء بالحق وصدق المرسلين ). فالآيات التي مرت بنا تنفي عن القرآن صفة \"\" شعر \"\" وتنفي أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم صفة \"\" شاعر \"\" المفهومة من الدلالة اللغوية لهذه اللفظة، وبخاصة عندما تقترب صفة \"\" شاعر \"\" من الكذب والكهانة والجنون. ثالثها: أنّ القرآن حين هاجم الشعراء، وربطهم بصفات الكهانة والغواية والكذب، لم يهاجمهم مطلقاً، بل استثنى الشعراء الذين يلتزمون بقواعد الإيمان، ويقومون بعمل صائب يخدمون به قيم الدين، ويدافعون عن مبادئه. أمّا الرسول صلى الله عليه وسلم فقد حدّد مفهوم الشعر بأنّه: سلاح يمكن أن يستخدم في محاربة المشركين، روي أنّه قال لحسان بن ثابت: \"\" اهج قريشاً فو الله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام من غلس الظلام \"\" وقال له أيضاً: \"\" لشعرك أجزل عند قريش من سبعين مقاتلاً، ولشعر كعب بن مالك أشد على قريش من رشق السهام \"\". كما قال عن حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة: \"\" هؤلاء النفر أشد على قريش من نضح النبل \"\". وإذا كان الإسلام قد حارب الشعر ومنع الناس من نظمه حقاً فلابد من أن يتوقف الشعر في عصر النبوة توقفاً تاماً، بل قد يمنع الرسول صلى الله عليه وسلم من نظمه وقد يعاقب من ينشد الشعر، لكننا نرى عكس ذلك تماماً، فقد شجعه صلى الله عليه وسلم وحث على نظمه. ففي عمرة القضاء قال عبد اله بن رواحة وهو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليلـه
يا رب إنّي مؤمن بقيــله أعرف حق الله في رسوله.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا ابن رواحة؟ أفي حرم الله؟ وبين يدي رسول الله تقول هذا الشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"\" خل عنه يا عمر فو الذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل \"\". كما أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد حثّ على نظم الشعر فقد روى هشام بن عمرو عن أبيه قال: سمعت أبي يقول: ما سمعت بأجرأ ولا أسرع شعراً من عبد الله بن رواحة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له يوماً.
قل شعراً تقتضيه الساعة وأنا أنظر إليك، فانبعث من مكانه يقول :

إنـي تفرست فيك الخير أعرفـه والله يعلم أن ما خانني البصــــر
أنـت النبي ومن يحرم شفاعته يوم الحساب لقد أزرى به القـــدر
فثـبت الله ما آتاك مـن حسن تثبيت موسى ونصـراً كالذي نصروا
فقال رسول الله: \"\" وأنت فثبتك الله يا ابن رواحة \"\". قال هشام بن عروة فثبته الله أحسن الثبات، فقتل شهيداً وفتحت له الجنة فدخلها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم جعل حساناً شاعره الخاص، ووظف لسانه لهجاء المشركين وقال له: أهجمهم وروح القدس معك، للرد على شعراء قريش وقد سله منهم كما تسل الشعرة من العجين \"\" حسب قوله \"\" وما قصيدته في الرد على أبي سفيان بن الحارث بخافية عنا حيث يقول:

هجوت محمداً فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفـداء

وها هو حسان بلسانه الحائك الصنع، يرد على قصيدة الزبرقان ابن بدر، بنوع من الارتجال والسرعة وعلى طريقة النقائض: قال الزبرقان قصيدته مفاخراً:

نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع

فرد عليه حسان بناء على طلب رسول الله بقصيدة طويلة منها:

إنّ الذوائب من فهر وإخوتهــم قد بيّنــوا سنة للناس تتـبع
يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا

وقد ذكر ابن سيد الناس في كتاب: \"\" منح المدح \"\" قول رسول صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك: أترى الله ينسى قولك :

زعمت سخينة أن ستغلب ربها فليغلبن مغالب الغـلاب

والمتصفح لكتاب \"\" منح المدح \"\" يرى عجباً، فكبار الصحابة كانوا شعراء أمثال أبي بكر في قصيدته عن الهجرة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأولها:

قال النبي ولم يجزع يوقرني ونحن في سدفة من ظلمة الغار
لا تجزعن فإنّ الله ثالثنــا وقد توكل لي منه بإظهـــار

وأمثال عمر بن الخطاب الذي قال عنه إسلامه:

الحمد لله ذي المن الذي وجبت لــه علينا أياد كلها عبــر
وقد ظلمت ابنة الخطاب ثم هدى ربي، عشية قالوا قد صبا عمر

ومثلهما حمزة، والعباس، وعبد الله بن جحش، وعلي بن أبي طالب... ممن وصل شعرهم إلينا. وأعتقد أنّ الذين لم يصل إلينا شعرهم كثر. ولقد أعجب الرسول صلى الله عليه وسلم بشعراء الإسلام، ونلاحظ أنّ الرسول يحتكم في الإعجاب إلى معيار أخلاقي وهذا المعيار الخلقي يرتبط بالضرورة بقضية الصدق على أساسه الأخلاقي النابع من الدين، ويمكن أن نلمح هذا الصدق بمعياره الأخلاقي في قول لبيد حيث قال:

الا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"\" أصدق كلمة قالها شاعر: قول لبيد \"\" واستحسن النبي قول طرفة بن العبد حين قال:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود

وقال: \"\" هذا من كلام النبوة \"\". وبنفس هذا المقياس الإسلامي نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قول النابغة الجعدي حين أتى إليه ينشده:

أتيت رسول الهح إذ جاء بالهدى ويتلو كتابـاً كالمجرة نيراً
بلغنا السماء مجدنـا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً

وقد استمر هذا سائداً في عصر أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فعمر يعجبه الشعر الذي يشمل الحكمة والموعظة، والدعوة إلى الخير، وعدم الإسراف في المديح والهجاء، وإعجاب عمر نابع من روح إسلامية، يقول زهير بن أبي سلمى : \"\" كان لا يعاظل في كلامه، وكان يتجنب وحشي الشعر، ولا يمدح أحداً إلا بما فيه...\"\" وظهر هذا المقياس الإسلامي في تقدير عمر رضي الله عنه لزهير أيضاً حين قال هذه الأبيات بعد الحرب التي دارت رحاها بين عبس وذبيان، وقد طالت الحروب بين القبيلتين، وتدخل من عمل على حقن الدماء بينهما، فنظم زهير هذه الأبيات التي مطلعها :
أمن أم أوفــى دمنة لا تكلــم بحومانة الدراج فالمتثــــلم
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى عن الناس تعلم

قال عمر: \"\" أحسن زهير وصدق \"\". وكعب بن زهير كان ينهى أخاه عن الإسلام، وبلغ ذلك رسول الله، وكان الرسول قد أمر بقتل الشعراء الذين كانوا يهجونه ويؤذونه بمكة، لهذا طلب أخو كعب منه أن يذهب إلى رسول الله يطلب منه العفو، فلما ضاقت الأرض بكعب تنكر وذهب إلى رسول الله، وأنشد بين يديه هذه الأبيات التي أولها :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يغد مكبول.

ثم قال :
أنبئت أنّ رسول الله أوعدنــي والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافــلة القرآن فيه مواعيظ وتفصيـل
لا تأخذني بأقوال الوشــاة فلم أذنب وقد كثرت في الأقاويـل

فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله، بل تجاوز عنه ووهب له بردته، فاشتراها منه معاوية بثلاثين ألف درهم. ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام: \"\" إنّ من البيان لسحراً، وإنّ من الشعر لحكمة \"\".ويقول أيضا: \"\" إنّما الشعر كلام مؤلف، فيما وافق الحق منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق فلا خير فيه \"\".
الشعر المرفوض من الإسلام:
إذا كان الإسلام قد حدّد للشعر مقاييس أخلاقية يقوم على أساسها، فمن هنا وبهذا المقياس الإسلامي رفض عمر بن الخطاب شعر أبي محجن الثقفي ونفاه، لأنّ شعره لم يتفق مع مطلوب الإسلام ومراد الخير، فيقول في شعره:

إذا مت فادفني إلى أصل كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفني بالفلاة فإنّنـــي أخاف إذا ما مـت إلا أذوقــها

وحبس عمر بن الخطاب الحطيئة عندما هجا الزبرقان بن بدر لأنّه لم يكرمه، وقال في أبيات له في هجاء الزبرقان ومدح بغيض بن عامر:

ما كان ذنب بغيض أن أرى رجلاً ذا حاجة عاش في مستوعر شاس
جار القوم أطالوا هون منزلــــه وغادروه مقيــماً بين أرماس
ملوا قراه وهرتـــه كلابهـــم وجرحــوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لا ترحــل لبغيــتها واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي

واستدعى عمر الحطيئة وقال له معنفاً: \"\" يا خبيث لأشغلنك عن أعراض المسلمين \"\"
وعاب النقاد في صدر الإسلام قول زهير حين قال في شعر له: \"\" ومن لا يظلم يُظلم \"\" لأنّه يدعو إلى أن يظلم الناس بعضهم بعضاً، إذا أراد أحدهم ألا يظلم. والأحوص بن محمد الأنصاري، ضرب بالسياط، وصب الزيت على رأسه، ونودي به في الطرقات لأنّه تغزل بالنساء، وهذا لأنّ الشعر أصبح أمام مفهوم جديد محدد لعلمه، يطالب الشاعر بالالتزام به ما دام قد التزم بالإسلام وبقواعده وبالإيمان به، ويعاقب الشاعر إذا خرج عن هذا المفهوم الإسلامي، لأنّه يعتبر خارجاً على القيم الأساسية للإسلام، ومتمرداً على مبادئه وقواعده. ولم يستمر هذا المفهوم في عصر الرسول وعصر خلفائه فحسب، بل استمر بعد ذلك عند علماء اللغة الذين اتجهوا إلى جمع الشعر لخدمة القرآن. وقد يجد النقاد أحياناً تناقضاً بين القيم الأخلاقية والقيم الفنية، ولكن هذا التناقض يتلاشى حين نعرف أنّ الشعر الذي يبدو فيه التناقض مع القيم الأخلاقية هو الشعر مرتبط بالشر... ومن هنا فقد ظلت معالجة النقاد للشعر صادرة من اعتدادهم بمجموعة من القيم الأخلاقية التي لم يتخلوا عنها، كذلك ميز اللغويون بين اللفظ والمعنى على أساس الأخلاق، وكان هذا التمييز متفقاً مع الفهم الإسلامي، وبالتالي واجه الشعراء حساباً عسيراً عند عدوانهم على الحرمات بالهجاء، كما حدث في قصة الحطيئة مع الزبرقان الذي حبسه عمر بن الخطاب... وفي قصة الشعراء الذين تحدثوا عن الخمر، ومنهم أبو محجن الثقفي الذي جلده عمر ونفاه.
الشعر في خدمة الإسلام:
لقد غيّر القرآن مفهومات العرب الفنية، واتجه بأذواقهم وجهة جديدة تتفق مع ما أحدثه من تغيير، فحوّل الأدب من قصائد للغزل والحماسة والأخذ بالثأر والفخر ووصف الإبل والسيوف والرماح... إلى قصائد تخدم الإسلام وتسير مع مفاهيمه ومبادئه ومعتقداته القيمة... ومن الحكم المتناثرة التي لا ارتباط لها ولا نظام، إلى أدب عالمي يخوض مشكلات الحياة الاجتماعية، وينظم الأمور الدينية والدنيوية، فارتقى بالأدب فاتسعت آفاقه، وتعددت مراميه، وسمت أهدافه. وعلى ذلك يمكن القول: أنّ الشعر في الإسلام جاء ليواكب الدعوة الإسلامية ويشيد بالقيم التي يدعو إليها، ويقف في وجه الذين يعارضونه أو يقفون في سبيله ويصدون الناس عنه. وتحفظ لنا دواوين الشعر ما أنشده كعب بن مالك بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من حنين، وفي مسيره إلى الطائف حيث قال:

قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفـا
نخيرها ولو نطقـت لقالت قواطعهن دوسا أوثقيفـا
ونردى اللات والعزى وودا ونسلبها القلائد والشنوفا

وتحفظ لنا هذه الدواوين أيضاً قول عبد الله بن رواحة، وقد أخذ بزمام ناقة النبي عليه السلام في عمرة القضاء يقودها، وقد اجتمع أهل مكة وغلمانهم ينظرون إليه وهو يقول:

خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير مع رسوله
نحن ضربناكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله
ضرباً يزيل الهام من مقيله ويذهل الخليل عن خليله

وعمر بن الخطاب كان يعجب بقول زهير بن أبي سلمى :

فإنّ الحق مقطعة ثلاث يمين أو نفار أو جلاء

فقول زهير يتفق مع ما دعا إليه الإسلام في ثبات الحق، فهو يثبت إمّا بالقسم، أو بالمنافرة إلى حاكم يحكم بالعدل، أو بالجلاء ببرهان واضح يجلو الحق، ويوضح الدعوى... وقد سأل عمر يوماً الحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ فقال ( كنا ألف حازم نطيع قيس بن زهير ولا نعصيه، ونقدم إقدام عنترة، ونأتم بشعر عروة بن الورد ). ولا حاجة بعد هذا المثل للسؤال عن مصدر القيم الأخلاقية بين الشخصية المستقلة وبين العرف الذي يتواضع عليه المجتمع، فإنّ الأمر ينتهي بالثائر والمسالم معاً إلى توكيد القيم الفضلى، والزراية بمن يخرج عليها. ولقد مضى على هذه النماذج المتمثلة في الشخصيات التي عرضناها قرون خلت، ولم يزل لها صوت مسموع في استحسان الحسن، وإنكار المنكر من الأخلاق. ولم تتغير بعد الإسلام وظيفة الشاعر، التي يرجع إليها في تسجيل القيم والأخلاق، وإن كان قد تغير الشاعر كما تغير سامعوه وقراؤه، وأصبح من اليسير على بعض الشعراء أن يعرضوا للناس صفات... الشخصية الحية ـ كأنّها مذهب من مذاهب التفكير ـ ويبقى هناك الضابط المهم الذي يوجد بين هذه الأنماط والصفات، ويتحول بها إلى اتجاه واحد كما تتحول الجداول إلى مجرى النهر، ذلك هو ضابط الدين بعد ظهور الإسلام. ففي مجتمع الجاهلية كان نطاق المجتمع يحيط بالأنماط الشخصية فتتفق ـ مع تعددها ـ في النهاية على الإيمان بآداب ذلك المجتمع الجاهلي. وبعد ظهور الإسلام أحاطت آداب الدين بآداب المجتمع، وجاءت بمادة التماسك التي تشمل الأنماط الكثيرة وتردها إلى بنية واحدة. وقد تتساءل معي يا قارئي الكريم: هل يكون معنى ذلك أنّ الدّين والشعر قد يتفقان كمصدرين من مصادر الأخلاق؟ يجيب العقاد على هذا التساؤل بقوله: نعم يتفقان، وفي الصدر سعة، وعلى الثغر ابتسامة، لأنّ القرآن الكريم يصف الشعراء بأنّهم: \"\" في كل واد يهيمون. وأنّهم يقولون ما لا يفعلون \"\". فللشاعر أن يقول ما يشاء، وللقارئ أن يستريح إلى سماعه إذا شاء، لأنّه لا ينظر إليه نظرة المعارض المصادم للدين، وإنّما ينظر إليه كأنّه يتفرج على منظر حسن من مناظر الفنون.




تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2769


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


التعليقات
#258621 [المرغيني زينب]
0.00/5 (0 صوت)

12-18-2011 09:31 PM
الفرق شاسع بين الشعر العربي ما قبل الإسلام وبعده. لقد أظهرت الدراسة هذا الفرق والجميل في الدراسة أنها موثقة بأشعار عبارة عن حكم ودرر تمثل حقبة لتاريخ أمة أصيلة.


#258421 [نوفل البدري]
5.00/5 (1 صوت)

12-18-2011 01:37 PM
ما أجمل الشعر العربي القديم الذي كانت له مهام ورسائل تخدم الإنسانية في جميع مناحي حياتها،أما اليوم فأصبحنا لا نعرف معنى الشعر ولا أينة تتجلى مضامينه أما رسائله فيبدو أن الشعراء فقط الذين يعرفون.


#258153 [موريس حنون]
0.00/5 (0 صوت)

12-18-2011 01:22 AM
أنا مسيحي ومتذوق للشعر العربي وخاصة الشعر ما قبل الإسلام وبعده.لقد وجدت في هذه الدراسة ضالتي وما كنت أبحث عنه منذ مدة طويلة.فالمراجع القديمة لم توصلني للاطمئنان على ما أبحث عنه,لقد سررت كثيرا عندما وجدت هذه الدراسة منشورة بموقع الراكوية وبطريقة سلسة وسهلة وفيها من الشعر ما يجعل الباحث يتيه في متاهات التذوق الشعري والجمالي للشعر الجميل الإنساني.


#258123 [جمال الدين الرحبي]
0.00/5 (0 صوت)

12-17-2011 10:55 PM
لقد استمتعت بقراءة هذه الدراسة وذكرتني بأيام العز التي كان فيها المسلمون بقيادة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم والخلفاء وذوي المكانة العالية في الدنيا والآخرة،نعم أيام الإسلام الأصيل النقي والصافي،أيام الشعر الحقيقي الذي أنصف القوم وهذب سلوكهم حيث كان بمثابة رسالة تهذيب وإصلاح.كان الشعر هو الفضائية المسموعة وكان الشاعر هو السفير فوق العادة.رحم الله أيام العز.


مصطفى قطبي
مصطفى قطبي

مساحة اعلانية

تقييم
4.34/10 (39 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


صحيفة الراكوبة السودانية... راكوبة الأغاني السودانية، في رحاب الراكوبه ستجد السودان بمختلف مناطقه وعاداته وموروثاته خلال أقسام منتدياته المتعددة مثل المنتدى العام، العنقريب، المدائح ومنتدى التلاوة الذي يحتوي على تلاوة للشيوخ: صديق أحمد حمدون , عوض عمر , الفاتح محمد عثمان الزبير , محمد عبدالكريم , نورين محمد صديق , عبداللطيف العوض , صلاح الدين الطاهر سعد , الزين محمد أحمد الزين , وأحمد محمد طاهر. إلى جانب هذا هنالك منتدى مخصص للمدائح النبوية، هنالك المادح: الامين احمد قرشى وعلى الشاعر , الشيخ مصطفي محي الدين ابوكساوي , أولاد حاج الماحي , عبدالله محمد عثمان الحبر , اسماعيل محمد علي , السماني أحمد عالم , الجيلي الصافي , خالد محجوب (الصحافة) , علي المبارك , حاج التوم من الله , عبدالعزيز قورتي , ثنائي الصحوة , فيحاء محمد علي , الجيلى الشيخ , نبوية الملاك , عبدالعظيم الفاضل , عاصم الطيب , فرقة عقد الجلاد , سيف الجامعة , عثمان محمد علي , المدائح النبوية , فرقة الكوثر. علماً بأن المشاركات والآراء المنشورة في منتديات الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2014 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة