نعم الاخلاق عنصر مهم في تشكل وتكوين الانسان لذاته ومع اخيه الانسان والحياة البشرية جمعاء كي تسود قيم الاخاء والمحبة والسلام وتقدم البشرية في حياتها المادية والروحية ولكنها ليس العنصر الوحيد المهم فالعنصر المادي والعلمي والعقلي لا يقل اهمية في بناء الانسان والحياة وتطورها لمنفعة الانسان وترسيخ القيم المذكوره انفا.
اما مسألة انها اشد حضورا عند المسلمين فهذه قطعية من الصعب اعتبارها حقيقة اما لاختلاف المجتمعات في رؤاها الفلسفية والفكرية والدينية لمصطلح ومفهوم الاخلاق ومداه او لاننا دوما نعتز بذاتنا وثقافتنا وديننا دون الاطلاع والغوص في مفهوم وحالة الاخلاق في المجتمعات الاخري المتباينة وعدم اعترافنا بالاخر وربما جهلنا باخلاق الامم الاخري !!!!!وعجبي ان نتباكي علي قيمنا المهدرة وفي نفس الوقت ندعي نظريا نحن احسن الامم اخلاقا وتارة نقول وجدنا في بلاد الغرب (النصاري والكفار) اسلام ولم نجد مسلمين!!! عجبي!!!
نعم تواجه البشرية جمعاء ازمة اخلاق ولكن استعادة القيم الاخلاقية يتطلب اولا الاتفاق او التوافق حول مفهوم الاخلاق الذي يمكن ان يجمع البشرية كما يتم تحديد ماهي تلك القيم وما هي الاسمي فيها والاولي (العري ام الصدق الامانة النزاهة ). وهل كل الاخلاق دينية ام انسانية بشكل اشمل (وضعية) وهل مفهوم الاخلاق نتاج ديني ام سبق وجود الدين؟!!!!(ولئن كان تراجع الأخلاق الفاضلة ظاهرة بشريّة عرفتها القرون إلاّ أنّها كانت في المجتمعات الإسلاميّة استثناء، وأخذت الآن ملامح القاعدة العريضة لولا الربانيّون الّذين يخلّدون نسق العهد الأوّل ويثبّتون الأخلاق الكريمة في النفوس والسلوك)
ثم بعد ذلك يتطلب ان ننظر ماهي اسباب ازمة الاخلاق ونحلل بالعقل والعلم والفكر والدين طبيعتها واسبابها..
وهل سوء ادارة وتوزيع المادة والاقتصاد و الثروة سبب في ازمة الاخلاق ام العكس لابدمن البحث الدقيق كي نستطيع ان نتلمس ونقبض علي مفاتيح الحل لاستعادة القيم الاخلاقية ونحدد بعدها ان كان الحل يشمل الجهد والفعل الفلسفي الفكري والعلمي ام الدين ام كلها معا كل بوظيفته
نعم انعدمت الاخلاق في السياسة والمال والاقتصاد والادب والفن ولكن ليس بسبب سطوة اللاديني بالعكس يسخر الان الدين لهدم الاخلاق وخاصة في بلاد المسلمين (والسودان نموزجا) باستخدامه في اغتصاب السلطة بالقوة والمال والظلم والفساد وابادة المجتمعات بالحروب الداخلية وزيادة الفقر والجهل وكله باسم الدين ومن مسلمين لاتستطيع ان تنزع منهم صفة الاسلام خاصة ما يجدوه من دعم ديني وفكري من تصفونهم بالعلماء والدعاة الذين ادعيت بانهم تحركوا لتنبيه وانفاذ الامة من منحدر تردي الاخلاق !!! (ولك من الامثال عصام احمد البشير وعبد الحي يوسف ) يتحدثون عن البلاء والصبر ومسك البطون في المساجد والمنابر بينما هم في سياراتهم الباردة الفارهة وفيللهم الشامخة ينامون !!
ومن اين اتيت بان التصور اللاديني يفصل بين الحياة والاخلاق وحتي العلمانية والفكر الوضعي والحياة العصرية والتطور التكنلوجي كنتاج جهد علمي وفكري انساني لايحمل في بذرته ونجاحه وتطوره مبدا هذا الفصل الذي تدعيه جزافا وجهلا بالمنتوج العقلي والفكري والعلمي الانساني
ويجب ان تتوقف قليلا وتتأمل ماتكتبه وتسأل نفسك سؤالا اذا حصن الاسلام الامة بالعقيدة الصافية والرؤية الصحيحة كيف تكون الغلبة للوضعية!!! ومن قال ان الوضعية اتي بها الاستعمار فقط الوضعية نتاج انساني ارتكز علي العقل والعلم والفلسفة والفكر فانتج وسائل متعددة لوصوله للبشرية نتيجة التطور العلمي قديما وحديثا التكنلوجي وكان مقنعا لحوجة الانسان واسهم في ازالة الامية والجهل وانتشار التعليم وتطور المجتمعات الي المدنية وهذا جانب ايجابي ولكن ايضا الفكر الوضعي لا يخلو من قيم سالبة ضد الاخلاق واولها فكرة نشر المفاهيم الوضعية السالبة ونهب ثروات الامم بالاحتلال والقوة ولكن هذه ليست قاصرة علي الفكر الوضعي وانما لكل الامم وبأسم الدين حين تشعر بانها قوية بقوة العتاد والسلاح (الغزوات الاسلامية-الفتوحات الاسلامية بالجيوش والحروب والقتل والغنائم وسبئ النساء وجلب الجواري ودفع الجزية)
وايضا من سقطات الفكر الوضعي غول الراسمالية الذي لا يرحم وصار يمسك بارواح الناس وتحديد مصائرهم الحياتية بكل قسوة وتركز الثروة والرفاه والعلاج والعلم الحديث في قلة وساد الحرمان غالبية شعوب العالم!!!
الاخلاق ليست مقصورة علي (العري بالجسد والتعبير والفاحشة) الاخلاق قيم كبيرة وعالية وسامية متعددة اولها احترام كرامة الانسان وحقه في ان يعتقد ما يشاء ويفكر كيف ما يشاء ويبدع دونما يضر بالاخرين الاخلاق هي الامانة والنزاهة والعدل والصدق والمساواة والسلام والمحبة وهذه القيم مثلما تمثل جوهر الاسلام او المسيحية او البوذية ايضا هي قيم يدعو لها كثير من ليس لهم دين محدد ولكن لهم فكر انساني لا يخلو من الاخلاق !!!
الاولي والاهم اصلاح تفكيرنا وسلوكنا وطرق كيفية ادارة حياتنا الانسانية الذي ادي الي تردي اخلاقنا فلابد من وجود الدولة والحكم الراشد دون تسلط فردي بالقوة الحكم النزيه المتسامح الحافظ لحقوق الامة مالها واقتصادها امينا عليه لا سارق له رحيما غير باطشا, يأكل ويشرب ويسكن ويلبس ويتعلم ويتعالج بنفس مستوي كل فرد من الامة يوفر اسباب العمل والانتاج دون محاباة واستحواز فئة عن فئة او فرد عن فرد يكون خادما للامة وليس متسلطا عليها هنا ياخذ صفة القدوة للامة فتصلح اخلاق الامة.
اما من يدعون انهم علماء دين او غيره او دعاة او شيوخ فاذا لم يكونوا قدوة فمن يسمع لهم ومن يقتنع بهم كي تصلح الاخلاق!!! كيف يكون عالم دين او داعية يسكن في فيلا اثاثها كله اوربي وزخرفة وجنائن وممكن حوض سباحة وسيارته فاخرة (لاندكروزر) وله اربع نساء وياكل افخر الطعام ومعظم افراد الامة يكابدون الفقر والجوع والمرض وبيوت الزبالة او العشش كيف تطالبهم بالاستماع لشيخنا الجليل او كيف تطالبهم بان تكون لهم اخلاق كيف بالله!!!
ومن قال ان العولمة او العلمانية والتطور العلمي التكنلوجي من جوال وتلفاز وستالايت وانترنت هو سبب تردي الاخلاق لا بل هي التي اسهمت في توعية الناس بالعلم والفكر والسياسة والدين وارتفاع مستوي وعيهم بحقوقهم كبشر واستعادة كرامتهم الانسانية وشئ فشيئا ينفكون من قبضة تسلط الحكام الفاسدين والعلماء والشيوخ المنافقين والمفكرين والمتفلسفين الواهمين هذا التطور العصري بمثابة طوق الخلاص من انزلاقهم في حقب الجهل والظلام والاستعباد بدعوي الدين!!!فتدهور الاخلاق في بلاد المسلمين ومنتجها لا ينجو منها من ادعي انه ممثل الله في الارض باسم الدين مدعيا انه القائم بالحفاظ ونشر قيم الدين وانما هو استغل الدين لنصرة الحكام الظالمين والتجار الفاحشين فتدهورت كرامة الانسان وغابت العدالة الاجتماعية وكثر الظلم والفقر والمرض فتدهورت اخلاق الحكام وطبقاتهم وسقط معهم علماء الدين والدعاة والشيوخ قبل افراد الامة...وبالعلم والفكر والاجتهاد الشجاع المقنع نستطيع ازالة الاسباب واحياء القيم الاخلاقية وضعية كانت او دينية ونسمو باخلاقنا ونعيش حياة انسانية كريمة.
والعلمانية هي نتاج فكري علمي مرتكز علي التجربة الانسانية في تكوين الدولة وعلاقتها بالفرد والمجتمع لتجاوز الصراع الانساني في الحفاظ علي الهوية المتعددة الثقافات والاديان وضبط ادارة السلطة والثروة والحقوق والواجبات والمساواة والعدالة من اجل حياة مستقرة للامة كي تعيش في سلام وتطور وتقدم واحسب ان فهم العلمانية وتطبيقها الصحيح هو حل خلاق حتي في استعادة القيم الاخلاقية للمجتمعات بما فيها المعتقدات والقيم الدينية والحفاظ علي قدسيتها.