المقالات
السياسة
(لقَطوهُمْ بالمُنْقَاش)..!
(لقَطوهُمْ بالمُنْقَاش)..!
07-16-2017 11:25 AM

(لقَطوهُمْ بالمُنْقَاش)..!

خط الإستواء



عاصِفة اللَّحظات البطيئة في يوليو 1971م، مهرُت بالدّم، ومع ذلك لم تخلو من ابتسامات مريرة. أشهر البرقيات التي طالبت الرفيق هاشم العطا بـ (الضرب بيدِ من حديد)، أرسلها منشِّد الثورة. وردت البرقية للإذاعة مزيّلة باسم الفنان إدريس ابراهيم، ولعل التكفير عن تلك البرقية دفعه إلى الإيغال في غابة نشيد كثيفة تأييداً للنميري، فلم يكتفِ بـ (تِحسبو لِعب) التي قيلت في مدح ضربة الجزيرة أبا، بل تعدّاها إلى طمْبَرة، بِنت أُمّها، جاءت بعنوان: (تسلم مايو لينا وليكَ تسلم)!

حُشر أصحاب برقيات التأييد ضُحى، (لقّطوهم بالمُنقاش) من كل أنحاء السودان. راجعَ البوليس ورجال الاستخبارات نصوصاً كان يحتوي بعضها على تأييد عفوي، وتلك عوايد السودانيين، الذين يؤمنون أن تغيير الحُكُم رحمة.. وبعضها – بالتأكيد – يعبّر عن تيار أحمر قاني، يؤيد عشا البايتات.

قطاع لا بأس به من أصدقاء الحزب كتبوا: (نؤيدكم ونشد من أزركم)،، وكم للسودانيين مِن شوقٍ جارف نحو التغيير.

شيخ الخير، القيادي بإتحاد المزارعين والمعروف للنميري، أرسل برقية تأييد لهاشم العطا. وعندما زار النميري سجن مدني، عاتبَ شيخ الخير، وذكّره بأنه أرسل برقية (طول كِدا)، مشيراً لكفه. فما كان من شيخ الخير إلا أن صححه، أن برقيته كانت طول كِدا، رافعاً ذراعه بطولها!

كان (يوم العودة العظيم) هو شعار الانتصار على يسارٍ تورَّط في معركة غير متكافئة، فذهبت أحلامه عجْلَى مع زيفة الخريف.

تدفُّق برقيات التأييد للحركة التصحيحية أثبَّت للنميري حقيقة أن اليسار تيار جارِف يحفر عميقاً في الوجدان الشعبي. تدافع السيل منذ البيان الأول، حتى ساعة الرِّدة، وبعض تلك البرقيات وصلت محطّتها الأخيرة بعد انكسار قزازة السَّمِنْ.

بعض البرقيات وصلت في ساعةً الغُمّة، والشهداء في مهرجان المشانق. من الأسيّات الكبيرة في يوليو، أن أبطاله لم يكن لديهم متسع كي يقرأوا التهاني، فانتقلوا على عجلٍ الى مشهدهم المثير، ليحدِّثوا جلّاديهم - بيان بالعمل - عن كيف يموت الرجال.

لمْلمَ الشعبُ جِراحه.

ضحِك (أبْعَاج) أخيراً بعد هوجة غاضبة. قال له صاحِب برقية التأييد الطويلة تلك، أنه كتبها (شَلَاقة) مِنّو ساكِت!

برقية طويلة عريضة في تأييد الرِّفاق استوقفت لجنة الفرز.

تلك البرقية رُفعت للنميري ضمن التقرير، فاصدر أمراً بمثول صاحبها أمامه في مكتبه بالقيادة العامة. هناك دار بينهما الحوار التالي:

- إنت من عطبرة يا زول؟

- لا.

- شيوعي؟

- لا.

- عسكري؟

- لا.

- طيب، الكلام الكتير الكاتبو دا شنو؟

- والله يا ريِّس دي (....) مِنِّي سَاكِتْ!

انقشعت العاصفة، لكنّها اقتلعت شجراً صندلياً، ودمّرت مخازنَ غِلال، وفتحت أبواباً على صحارى الجفا، فتعري ما اختبأَ في حديقة المساء.. (يا أيُّها الطيْفُ مُنْفلِتاً مِنْ عُصُورِ الرَّتَابِةِ والمسْخِ.. مَاذا وراءك في كتب الرمل، ماذا أمامك في كتب الغيم؟ إلاّ الشموس التي هبطت في المحيطات، والكائنات التى انحدرت في الظّلام، وامتلاُؤك بالدَّمْعِ حتَّى تراكمت تحت تُراب الكلام)..!


عبد الله الشيخ
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1449

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد الله الشيخ
عبد الله الشيخ

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة