المقالات
منوعات
إضاءات في ذكرى الفنان الراحل العاقب محمد حسن‎
إضاءات في ذكرى الفنان الراحل العاقب محمد حسن‎
07-16-2017 11:28 AM

إضاءات في ذكري الفنان الراحل العاقب محمد حسن‎


في ذكري رحيل ملك الغناء الهاديء العاقب محمد حسن نظل نردد رائعته الحالمة:

ياحبيبي ظمأت روحي وحنت للتلاقي … وهفا قلبي الي الماضي ونادي اشتياقي



كان هادئاً في كل شيء .. حين يغني لاتسمع ضجيجاً في ادائه.. بل كثافة تطريب عالية .. وحين يتحدث فهو كهمس المهذبين ..وهو كموسيقار فإن قاعات الطلاب بكلية الموسيقي تشهد له بالتمكن الموسيقي ممزوجاً بالثقافة الفنية العالية .
إذن هوالراحل المقيم الفنان العاقب محمد حسن .. ذلك المطرب الجميل ذو الإحساس الفني الرفيع .. والذي فارق الدنيا في الاول من يوليو من العام 1998م بام درمان ، تلك البقعة التي احبها واحبته ولم يفارقها الا الي دار الخلود .

فتظل هذه الذكري تعيد لنا حلو المفردة الشعرية والغناء الجاد المسؤول، سواءً كتبه له ذلك الشاعر المتعدد الآفاق السر أحمد قدور المقيم بالمعادي ضاحية قاهرة المعز منذ بداية سبعينات القرن الماضي وحتي اللحظة ، أم التي صاغها صديقهما الراحل الأكثر ألقاً إسماعيل خورشيد .. نوارة ام درمان .. وريحانة أهل الدراما الضاحكة دوماً .. أو التي كتبها الأمير عبدالله الفيصل وتغني بها العاقب وهي قصيدة ( نجوي) برغم ان البعض يخلط بينها وبين قصيدة هذه الصخرة.
فزمان العاقب كان هو زمان الجدية في الفن .. وهو زمان العذوبة في موسيقي الألحان التي تتسلل إلي داخل الوجدان وتسكن فيه سكوناً مستداماً ، فيحدث التشكيل الرقيق الرهيف الذي يصنع لنا عظمة هذا الشعب الأسمر وحبه للحياة بطريقة مفرطة ، وهي سمة تظل راسخة في مفاصل الحياة الاجتماعية لشعبنا ، ومهما حاول البعض إلغاء تراث وأدبيات حب هذا الشعب لفن الغناء وإنجذابه نحو الفرحة المتجددة في مناسباته العديدة .. صغيرة كانت أم كبيرة وذلك عن طريق تحديد كيفية إقامة مناسبات الفرح ، أو كيفية تفاعله مع ألوان الطرب السوداني الراسخ ، بمحاولات تغيير المسار إلي كبت روح الإبتهاج الساكنة في وجدانه ، فإن حب أهل السودان للطرب الأصيل لايمكن محاصرته أو تبديله ، مما يؤكد علي حب إنسان السودان للحياة بإنضباط عالي المقام وواعي الخطي .
ولنا أن نعيش مع تلك الخالدة التي سكب فيها العاقب كامل إحساسه حين إنتقل بنا إلي الكلمة الراقية التي تبتسم لنا ونبتسم لها ونطرب لها بمثل طربنا للحنها ولهدوء موسيقاها :

ياحبيبي ..
ظمأت روحي وحنـّت للتلاقي
وهفا قلبي .. إلي الماضي
وناداني إشتياقي
أنا ظمآنُ ُ أُلاقي
من حنيني .. ما أُلاقي
نعم .. أتي بها العاقب من قاهرة المعز حين كان يتعلم الموسيقي هناك بالمعهد العالي للموسيقي العربية – الكونسيرت فتوار – حيث إمتدت علاقاته إلي أهل الشعر والأدب .. فكتبها الشاعر المصري القدير جداً ( مصطفي عبدالرحمن) والذي تغني له فيما بعد الثنائي الوطني ( أحمد حميدة ويوسف السماني) بتلك الأنشودة الخالدة أيضا والتي لازال شعب السودان يرددها مع هذا الثنائي حين تذاع أو تبث عبر الأجهزة والتي كان ظهورها الاول ابان السنة الاولي لحكم الرئيس الراحل جعفر نميري : ( أمتي ياأمة الأمجاد والماضي والعريق .. يانشيداً في دمي يحيا ويجري في عروقي)حيث قام بتلحينها فردة الثنائي الوطني وابن عطبرة احمد حميدة .
ومن طرائف قصص الاغاني ، فقد حكي لنا ذات مرة صديقنا الشاعر والدرامي السر قدور قبل ان يتمدد قبل عدة سنوات عبر ( أغاني وأغاني ) وذلك بمكتبه بالقاهرة في ميدان لازوغلي ، بأنه وفي نهاية خمسينيات القرن الماضي حين كان شاعرنا يسكن في حي البوستة بأم درمان ويسكن العاقب ايضا في ذات الحي ، أن كتب شاعرنا قدور أغنية ذات جرس غريب ومفردة كانت جديدة وقتذاك ، فعرضها للفنانة عائشة الفلاتية للتغني بها وتكليف الملحن عوض جبريل بتلحينها ، فرفضتها وسخرت من مفرداتها ، فالفلاتية كانت لا تفارق قصائد شاعرها التاريخي علي محمود التنقاري الذي كان يسكن في حي العرب وله متجره المعروف في بيع الاواني المنزلية بسوق امدرمان وقد كتب معظم غناء عائشة الفلاتية ، ثم عرض السر قدور قصيدته علي اكثر من فنان وملحن .. فلم يستطعوا فهم معانيها، بمافي ذلك صديقه الملحن الراحل عوض جبريل ، ثم أتي بها للعاقب وهو في حالة يأس من زوغان الفنانين منها ، فكان العاقب لها .. بل واعجب بها أيما إعجاب وإحتفي بها أيما إحتفاء وكان يحس بجمال مضامين مفرداتها الجديدة وقتذاك ، فأنجز لها لحناً أعجب كل الوسط الفني .. بل أعجب كل محبي الفن الهاديء التطريبي ، فانتشرت وتمددت عبر الاذاعة وصار يرددها الهواة في حفلاتهم والطلاب في حفلات جامعاتهم ورحلاتهم ، مما أثار حنق وندم الفلاتية وغيرتها الفنية حين سمعتها من العاقب عبر المذياع وقد أصبحت الأغنية حديث المجتمع الفني ، وحين قابلت الفلاتية شاعرنا السر قدور ذات مرة بردهات الإذاعة بأم درمان قالت له بكل غضب :

داهية تخمك وتخم عوض جبريل معاك ، فقال لها قدور ( ليه ؟ ) فردت عليه : ( عشان الاثنين شينين ) : فهي كما تري كانت تتوقع من السر قدور ان يحنسها لتقبل الاغنية من البداية كما كانت تتوقع من عوض جبريل تأليف لحن لها . فجاءت تلك الرائعة بلحن العاقب وهي بعنوان ( إتلاقينا مرة ) لشاعرها السر قدور:
ياحبيبي …
نحن إتلاقينا مرة
في خيالي وفي شعوري ألف مرة
فمن منا لم يردد مع العاقب تلك الأغنية التي لازالت تحافظ علي ذات ألقها ، ومن منا لا يحس بمدي كمية التطريب العالية القادمة من خيال العاقب الخصيب والذي كان يمثل قمة من قمم الفن السوداني الجميل علي إمتداد مسيرة الأغنية السودانية الحديثة .وقد كانت أغنية المثقفين في ذلك الزمان الجميل .

ونحن إذ نتحدث اليوم في ذكري رحيله فإننا نظل نطرب ونعجب بروائعه الخالدات : غني ياقمري .. إتدللي .. هذه الصخرة ..نجوي ، ونزداد طربا حين يترنم العاقب كثيرا برائعة أحمد المصطفي عميد الفن السوداني : وين ياناس .. حبيب الروح .. وين ياناس أنا قلبي مجروح … بل وتكفينا طربا وتطريباً رائعته التي قام بإهدائها للفنان الطروب محمد ميرغني ( حنين إليك وليل الغربة اضناني ) والتي صاغها شعراً شاعرنا السر قدور أيضاً، فقد حكا لنا الاستاذ محمد ميرغني بأنه اتي لدار الاذاعة ووجد العاقب والذي كان رئيسا للجنة الالحان بالإذاعة يقوم بتوقيع بروفات لثلاثة اغنيات ، فإنجذب محمد ميرغني لاغنية ( حنيني اليك ) واصبح يرددها مع العاقب في البروفات ، فماكان من العاقب الانسان لا وان يتنازل لمحمد ميرغني ليقوم بتسجيلها ، وقد كان .

مما يؤكد علي اريحية العاقب وروحه الطيبة الجميلة ، وهي تعبر عن الضغط النفسي الهائل للسر قدور وشوقه لوطنه حين غاب عن السودان لسنوات طويلة ممتدة حتي انه قد تزوج من إحدي حسان حي المعادي بالقاهرة ورزق منها باربع زهرات يتميزن بميول الي عالم الادب والصحافة تأثرا بوالدهن السر قدور. بمثلما تزوج العاقب ايضا من حسان حي السيدة زينب بالقاهرة حين كان يتعلم الموسيقي هناك واتي باغنية من القاهرة بأغنيةهذه الصخرة سالفة الذكر .
كما نظل نذكر كيف كانت الراحلة المقيمة المبدعة الإذاعية والأديبة ( ليلي المغربي) لا تمل الحديث عن روائع العاقب محمد حسن ، للدرجة التي طلبت منه أن تقدم كلمة جميلة جدا في بداية ألبومه الغنائي الخالد والذي كان يحمل عنوان ( هذه الصخرة).. تلك الأغنية المشهورة ( ياحبيبي ظمأت روحي وحنت للتلاقي ) . وفي تقديرنا ان العاقب الذي رحل بكل هدوء بمثل هدوئه وهدوء اعماله الغنائية ، ولم يجد التقدير الكافي من الاجهزة السودانية مطلقاً.

رحم الله الفنان الإنسان المثقف والمهذب جداً وملك الغناء التطريبي .. العاقب محمد حسن .. ورحم الله ليلي ،،،،،،

صلاح الباشا


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1365

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1671665 [ود الجيران]
0.00/5 (0 صوت)

07-17-2017 09:36 PM
الاستاذ صلاح الباشا
لعلك توافقنى بان الاستاذ عوض جبريل كان شاعر اولا وتلحينه لبعض القصائد من الممكن ان يجعل منه شاعرا و ملحنا كالاستاذ عبدالرحمن الريح الذى اشتهر بتلحين بعض اشعاره, وعندما نصف شخص ما او نطلق عليه ملحن فهذا يتبادر الى اذهاننا على الفور الاساتذة الذين كان عطاؤهم الاول التلحين نذكر منهم احمد زاهر و علاء الدين حمزة وبرعى احمد دفع الله وود الحاوى و بشير عباس و عمر الشاعر وناجى القدسى وحتى المطربين الذين كانوا يلحنون لانفسهم مثل الاساتذة وردى و ابوالامين وعثمان حسين و الكابلى فانهم اشتهروا بانهم مطربين اولا مع شكرى و تقديرى لمجهوداتك المقدرة فى التوثيق و الكتابة

[ود الجيران]

#1670961 [ابوكديس]
2.25/5 (3 صوت)

07-16-2017 01:13 PM
موضوع جميل عن موسيقى متفرد و مبدع لم يجد نصيبه حتى الان من التكريم المناسب
هنالم ملحوظة وهى ان الراحل عوض جبريل لم يكن ملحنا بل كان شاعرا متفردا

[ابوكديس]

#1670960 [ابوكديس]
1.94/5 (5 صوت)

07-16-2017 01:12 PM
موضوع جميل عن موسيقى متفرد و مبدع لم يجد نصيبه حتى الان من التكريم المناسب
هنالم ملحوظة وهى ان الراحل عوض جبريل لم يكن ملحنا بل كان شاعرا متفردا

[ابوكديس]

ردود على ابوكديس
Sudan [صلاح الباشا] 07-17-2017 09:08 AM
سلام عليكم استاذ ابوكديس
شكرا للمداخلة ، لكنني أؤكد لك ان الراحل عوض جبريل كان شاعرا وكان ملحنا متميزا ايضا تشهد له الساحة الفنية بالعديد من الحانه لمختلف الفنانين - الكبار منهم والصغار ، كحال عبدالرحمن الريح وودالقرشي والطاهر ابراهيم عليهم الرحمة اجمعين، لك تحياتي


#1670929 [Ahmed Fadul]
1.94/5 (5 صوت)

07-16-2017 12:00 PM
you stated the truth that everybody should know about Alagib -Thank you

[Ahmed Fadul]

صلاح الباشا
صلاح الباشا

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة