الأخبار
بيانات، إعلانات، تصريحات، واجتماعيات
سنّار عاصمة الثقافة الإسلامية تكرم المؤرخ صالح ضرار
سنّار عاصمة الثقافة الإسلامية تكرم المؤرخ صالح ضرار
سنّار عاصمة الثقافة الإسلامية تكرم المؤرخ صالح ضرار


07-05-2017 08:43 PM


محمد على ـ لندن

في بادرة نادرة لتكريم الرعيل الأول من الوطنيين الذين سطروا تاريخ السودان الوطني وشاركوا في صنع استقلاله، قامت لجنة مشروع سنار عاصمة الثقافة الإسلامية التي يترأسها العلامة الوطني البروفسير يوسف فضل حسن باختيار المرحوم المؤرخ محمد صالح ضرار لتكريمه في اليوم الرابع من شهر يوليو العام 2017م وذلك بقاعة الصداقة بالخرطوم وجاء في شهادة التكريم: ذلك تقديراً وعرفاناً نسبة لتفهمه العميق لمشروع سنار عاصمة الثقافة الإسلامية وعلو همته وصادق حماسه للمساهمة فيه بما كتبه من مؤلفات عن تاريخ السودان الوطني، وجاء في شهادة الشكر والتقدير أيضاً ـ فهنيئاً للبلاد بكم وهنيئاً لكم بما قدمتم، وهنيئاً لنا بما نلنا ... وبلا شك فإن هذا التكريم ينداح على كل الرعيل الأول من الوطنيين الذين ساهموا في استقلال السودان رحمهم الله جميعاً.

وبهذه المناسبة فإننا نقدم السيرة الذاتية للمؤرخ محمد صالح ضرار الذي اشتهر باسم صالح ضرار.

محمد صالح ضرار

المؤرخ الموسوعة

عن مركز الدراسات الجيوبولتيكية

الرجل الذي شارك في تحرير السودان مرتين وكتب تاريخه

أول من رفع شعار السودان للسودانيين العام 1922م ولم يحد عن ذلك طيلة حياته.

(الأمير عثمان دقنه لم يستطع فتح سواكن بالسيف ولكن صالح ضرار فتحها بقلمه)

الإمام عبدالرحمن المهدي في العام 2219م

(إن صالح ضرار هو موسوعة في تاريخ البجه)

أندرو بول ـ المؤرخ البريطاني في كتابه «تاريخ قبائل البجه» الطبعة الأولى 1954م

(أستاذنا الجليل محمد صالح ضرار كان من الرواد الذين ملكوا ناصية المنهج العلمي في كتابة التاريخ وخاصة تحقيق الروايات الشفاهية والتوثيق) البروفسير حسن عابدين.

إن سيرة المؤرخ صالح ضرار هي مسيرة زاخرة بالأحداث تجسّد طموحاً لا تحده حدود وعزيمة لا تنيء ولا تهن وشخصية مفعّمة بالثقة لم تستسلم للظروف السائدة حولها بل طوعتها لخدمة أهدافها، فذلك الصبي ابن العاشرة خرج من قرية لم يسمع بها أحد باحثاً عن العلم والمجد، فاستطاع أن يحقق طموحه ويجدد مجد أسلافه ويشق طريقه مرتقياً أعلى مراتب العلم والسياسة والمجتمع فبنى لنفسه مجداً وشهرة طبقت الآفاق العالمية قبل المحلية، فاحتل اسمه ومؤلفاته مركزاً مرموقاً في مكتبات أرقى الجامعات الغربية وأصبح المرجع الوحيد في العالم في مجاله يحجّ إليه العلماء والدارسين من أقاصي الدنيا لنيل قبس من نور علمه الغزير.

وعن شخصية المؤرخ المفعمة بالثّقة، قال المؤرخ الأستاذ محمد أدروب في كتابه من تاريخ البجه الطبعة الأولى:

«إن المؤرخ صالح ضرار يتمتع بأنفة وكبرياء أهله الملهيتكناب».

لقد لعبت النشأة دوراً كبيراً في تكوين شخصية المؤرخ صالح ضرار الفذة، فقد تشبعت روحه بالروايات التي سمعها عن تراث أصوله وأمجاد جذوره الضاربة في القدم، وواصل والده الذي كان شيخاً لقبيلة لها دور تاريخي مشهود في نشر الإسلام في الشرق، نضال أجداده الذين قاتلوا الاستعمار، فقد شارك مع كل إخوته (أعمام المؤرخ) في حروب المهدية مع الأمير عثمان دقنه، أما والدته فقد انحدرت من قبيلة أنشأ رجالها ـ الذين أطلق عليهم المؤرخون الأجانب اسم «ملوك الساحل» ـ مملكة على ساحل البحر الأحمر لا تزال آثارها تقف شاهدة إلى يومنا هذا.

«كان صالح ضرار كأنه ثلاثة أجيال في شخص واحد».

المؤرخ الأستاذ محمد أدروب أوهاج في كتابه من تاريخ البجه ـ الطبعة الثانية.

لو أنه اتيح لأحد أن يكون شاهداً على عصرين مهمين من تاريخ السودان ويقوم بتسجيل حوادثهما فهو المؤرخ صالح ضرار (الذي يعرف أيضاً باسم محمد صالح ضرار)، فلقد عاصر الثورة المهدية صبياً في أخر أيامها ،ثم نافح الاستعمار ستين عاماً حتى خروجه، وسجّل كل ما شاهده وسمعه عنهما. وقد اهتم المؤرخ بتاريخ كل ما اتصل بإقليم البجه من قبائل وأحداث وتراث، وكرّس وقتاً كبيراً في تدوين كل ما استطاع أن يُلم به من تاريخ هذا الإقليم. وكما يبدو من سطور مقدمته؛ فإن النفثة الأولى التي جعلته يكتب تاريخ البجه، هي الكلمات الحماسية التي ألقاها عليهم أستاذه، الأستاذ الشيخ ماضي أبو العزائم وهم تلاميذ في مدرسة سواكن الأميرية وقد كانت خطبةً ثوريةً عن أمير الأمراء عثمان دقنه تدين أسره، وجذبت شخصية الأمير دقنه المؤرخ صالح ضرار وحملته على دراسة أفعال الأمير وتاريخ قيادته كما حملته على دراسة إقليم البجه وكتابة تاريخه.

المولد والنسب:

ولد صالح ضرار في قرية شاكات (شاكات، كلمة معناها الجمام بلغة البني عامر) بمنطقة عقيتاي بجنوب طوكر في 13 ذي الحجة سنة 1310هـ (1882م) وتوفي في العام 1972 م. وتقابل قرية عقيتاي على ساحل البحر الأحمر جزيرة باضع (عيري) التي شهدت أول هجرة في الإسلام. ووالد المؤرخ هو أحد أمراء المهدية في شرق السودان وشيخ مشائخ بني عامر البحر الأحمر (قبيلة العجيلاب والأفلندة ـ «أفلنده» كلمة محرفة من «أفري دوا» التي تعني باللغة التبداوية الناس شديدي المراس)، الشيخ ضرار علي ضرار بداي قو «1845ـ 1920م» (كلمة ضرار تعني بلغتي البجه الشخص الذي يقري الضيوف، وكلمتي بداي قو تعني بيت البجه لأن جد الشيخ ضرار صاحب مدارس القرآن في منطقة كسلا كان يحتضن كل البجه الذين يأتون لتعلم القرآن في سلسلة مساجده التي يعرف الواحد منها باسم «أمسقد أبريّ» ومعناها المسجد الواسع وقد نشرت هذه المساجد تعاليم الإسلام في الشرق قبل مائة عام من قيام مملكة سنار وكان أحدها يخرّج أكثر من ألف تلميذ كل عام). وينحدر أسلاف صالح ضرار من منطقة القاش من قبيلة ملهيتكناب البكرية (ويعني اسمها «ملهيتكناب» أصحاب الوادي الخصيب وهو السهل الممتد بين نهري بركه والقاش)، وقد قال المؤرخ محمد الأمين شريف في كتابه «تاريخ مدينة كسلا» عن هذه القبيلة بأنها كانت أقدم وأغنى قبائل البجه ولكن نضالهم ضد الاستعمار التركي وغيره أفناها، كما قال الأستاذ شريف إن الملهيتكناب كانوا ينشرون تعاليم الإسلام في مدارسهم القرآنية في منطقة القاش. وقد اشتهرت هذه القبيلة بالتقوى والصلاح حتى إن السيد محمد عثمان تاج السر الميرغني (راجل سواكن) عندما قام برحلته الشهيرة من سواكن إلى مصوع مرّ بضريح جدة المؤرخ «فضة بداي قو» شقيقة ضرار بداي قو، المدفونة في جبل رورا، وبات ليلة بجوار الضريح، كتب عن ذلك قائلاً: «لقد قضيت ليلة بجوار قبر المرأة الصالح «فضة بداي قو»، ففتح الله عليّ بها فتحاً مبيناً»، وكان يعني بذلك تأليفه قصيدة «نور البراق» التي أوحتها له تلك الشيخة التي يصدر من قبرها في الليل نور براق يراه كل من يمر بتلك المنطقة.

درس المؤرخ الخلوة في قريته عقيتاي. ثم سافر وهو ابن عشر سنين مع والده في زيارة قصيرة إلى سواكن، رفض فيها العودة مع والده إلى القرية إذ أنه رأى مدرسة وسواكن الأميرية وأعجبته ففضّل البقاء في سواكن ومواصلة تعليمه في تلك المدرسة والعيش مع خاله ادريس بك محمد ادريساي، أول مدير سوداني لميناء وجمارك مدينة سواكن (من العام 1872م حتى العام 1912م) وقال المؤرخ عن خاله هذا في مؤلفاته: «لقد أدبني خالي فأحسن تأديبي». رزق المؤرخ بست بنات وثمانية أبناء ساهموا بمؤلفاتهم في إثراء المكتبات، فكان حامداً وشاكراً لله على فضله ونعمته الجزيلة هذه التي جعلته يرى أن كل أبناء السودان أبناءه وكل بنات السودان بناته فكان عطوفاً رحيماً بأهله وكل أهل السودان أهله. وكأنما تحققت له أمنية طرّفة بن العبد في الذرية عندما قال:

فألفيت ذا مال كثير وعادني ... بنون كرام سادة لمسوّد

وبالرغم من مشغولياته الكثيرة فإنه لم يبخل على أبنائه وبناته بوقته فحرص على تعليمهم في المدارس النظامية وتدريسهم في المنزل ما لا يتعلموه في المدارس من التاريخ الوطني لبناء شخصياتهم الوطنية ويعتزوا بتاريخهم لاكتساب الثقة بالنفس، وحتى لعبة الشطرنج التي كان يسميها «لعبة الملوك» والتي تعلم التفكير الصحيح لاتخاذ القرارات الصائبة، فقد كان يمارسها معهم ويقضى ساعات مستمتعاً بلعبها مع أصغر بناته، التي أخرجها النظام من وظيفتها من النافذة فكوّنت جيشاً وقاتلته حتى عادت لمكانها من أوسع الأبواب.

المراحل التعليمية:

درس المؤرخ القرآن بالجامع الشافعي والفقه والتجويد بجامع السيد محمد عثمان تاج السر بسواكن أثناء التحاقه بمدرسة سواكن الأميرية العام 1903م، وبعدها تم قبوله في كلية غردون العام 1908م وحالت المصاريف دون التحاقه بها. بعد ذلك سافر المؤرخ لمصر طلباً للعلم لفترة قصيرة ولم يعجبه الحال فعاد أدراجه إلى سواكن. لم يكتف المؤرخ بالتعليم النظامي الذي تلقاه في المدرسة، فتبحر في العلوم الدينية والمدنية كما علّم نفسه الأسماء كلها وكان يدفع من ماله الخاص لتلقى دروساً خصوصية خاصة من معلمي علوم لا تدرس في المدارس مثل علم الزايرجه (علم أرقام الحروف) وعلوم ما وراء الطبيعة وعلم الفلك وقد كان حافظاً لأسماء النجوم والكواكب ومنازلها ومجراتها، وكان في الليل يراقب سكناتها وتحركاتها ليقرأ حالة الطقس، كذلك كانت له علاقة وطيدة بعالم الفلك السوداني الشهير الدكتور العيدروس فكانا يتبادلان الآراء. وبالرغم من أنه جاء من أبوين لا يتحدثان اللغة العربية إلا أنه تمكن من إجادتها مع إجادة متقنة للغتي البجه التبداوية والتيجرية. وقد حفظ المؤرخ في الخلوة القرآن والأحاديث كلها ثم بعد ذلك حفظ الأجرومية وألفية ابن مالك وكل القصائد والخطب الشهيرة. ولأن المؤرخ صالح ضرار كان يهوى الأدب فقد حفظ في بداية حياته كل بحور الشعر العربي التي كتب ببعضها بعض القصائد والمقامات منها المقامة الترمسية ومنها بيت كان يردده على تلاميذه، ومنهم ابن المؤرخ ضرار صالح ضرار، الشيخ مجذوب جلال الدين الأستاذ في كلية غردون العام 1937م يقول فيه الشاعر:

كل النبات الغض دون الترمس ولبائعيه الفخر دون الأنفس

فقد كان المؤرخ في مرحلة من مراحل حياته الفلسفية نباتياً.

عندما كان المؤرخ يعمل في شركة «التلغراف الإنجليزي الشرقي» كان يقضي أوقات فراغه في قراءة الصحف السياسية والمجلات العلمية والكتب التاريخية، التي كانت تزخر بها «غرفة المطالعة الأدبية» في مدينة سواكن. وكرّس كل يوم ساعتين من وقته لدراسة الفقه وقراءة القرآن والتجويد. واقتنى المؤرخ واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في السودان والتي ضمت إلى جانب المراجع العربية المراجع الإنجليزية، وهو أول من اقتنى كتاب «تاريخ المؤرخين» و»الموسوعة البريطانية» التي اشتراها بمجرد صدورها العام 1926م في وقت لم يكن بمقدور الإنجليز شرائها.

الخبرات العلمية والعملية:

التحق المؤرخ في العام 1909م بالخدمة في شركة «التلغراف الإنجليزي الشرقي» وعمل محاسباً ثم مُبرقاً «تلغرفجياً» فباشكاتباً، وهي أعلى درجة كان يسمح بوصولها للسودانيين وذلك حتى العام 1953م حيث أحيل إلى التقاعد بعد خدمة امتدت لأربعين عاماً، وبما أنه كان يعمل في شركة إنجليزية فكان يُفرض عليهم ارتداء الزي الإفرنجي الكامل، ولكنه كان حالما يعود لمنزله يرتدي زيه البجاوي القومي متمسكاً بجذوره حتى لا يتميز على أفراد عشيرته وحتى لا تشكل الملابس حاجزاً بينه وبينهم، «لكل حالة لبوس». أتاح للمؤرخ عمله في شركة «التلغراف الإنجليزي الشرقي» الاتصال بالعالم الخارجي إذ أنها كانت شركة الاتصالات الوحيدة في ذلك الزمن ولها شبكة تربط كل أرجاء العالم. فكان يطلب من بريطانيا المراجع الإنجليزية والصحف والمجلات وكل احتياجاته الأخرى ابتداءً من منضدة مكتبته واضاءتها ومستلزمات لعبة البولو التي كان يحبها وغيرها، كما استورد من أندونيسيا لمنزله أخشاباً نادرة مفصّلة بالمقاس حسب خارطة منزله لتبطين جدران المنزل من الداخل لتبريد الغرف حيث أنه لم تكن توجد مكيفات هواء في ذلك الزمن، وقد أثارت هذه الأخشاب اندهاش الجميع لروعتها وجمالها، وعندما صادر الإنجليز منزله الأول لصالح زعيم ديني، انتقل المؤرخ لمنزل آخر وقام بتفكيك تلك الأخشاب القيّمة وأعاد تركيبها في منزله الجديد مع إجراء التعديلات اللازمة لتتلائم مع المنزل الجديد.

اتيح للمؤرخ من خلال عمله في شركة الاتصالات من متابعة كل ما يجري في العالم من حوله وخصوصاً أحداث الحربين العالميتين التي كان يتابع أخبارها بصورة يومية مفصّلة حيث كانت تمر عليه كل البرقيات المتبادلة بين قوات الحلفاء، وقد قال عن ميزة الاتصالات تلك التي اتاحت سرعة نقل المعلومات: «إن واحداً من الأسباب الرئيسية لانتصار الحلفاء في الحربين العالميتين هي جودة وسرعة الاتصالات التي وفرتها لهم شركة التلغراف الإنجليزي الشرقي». ثم عمل بعد تقاعده في تلك الشركة مسؤولاً عن المشروع الذي اقترحه على الحكومة لإسكان عمال الميناء البجه.



انجازاته التاريخية والأدبية:

«إن ما يكتبه الأستاذ محمد صالح ضرار هو تاريخ وما يكتبه غيره ليس تاريخاً، وإن كتاباتهم عبارة عن مصادر غير أمينة لتاريخ السودان».

الدكتور التجاني الماحي.

يبلغ عدد الصفحات التاريخية التي كتبها المؤرخ ألفاً ومائتي صفحة من الفولسكاب يكرّس معظمها لتأصيل قومية البجه كشعب له تاريخ وتراث وخصوصية بالإضافة إلى تدوينه التاريخ والأشعار البجاوية باللغتين، التيجرية والبجاوية، وبعضها يرجع إلى ما قبل أكثر من ثلاثمائة عام، ففيها الحوادث المهمة والمواقع الحربية والتكتلات القبلية ووصف للمراعي والمناهل والأراضي وذكر الشجعان والأجواد والبخلاء. كذلك سجّل بعض القصص التراثية، مثل قصة عمر باشقير البني عامري وغرامياته وأشعاره باللغة التيجرية، وقصة محمود الفلج الهدندوي وغرامه وتعذيب ممتاز باشا محافظ سواكن آنذاك له، وما جاء على لسان محمود من شعر بجاوي يفيض بالألم والأحزان. كما ترجم المؤرخ ذلك الشعر باللغة العربية. وكان المؤرخ يهتم بالروايات الشعبية باللغتين البجاويتين من الشيوخ المعمّرين الذين يروون له القصص والأحداث بلغتيهم ثم يقوم هو يترجمها إلى اللغة العربية ويسجلها ويدفع لهم من ماله الخاص نظير ما أعطوه من أخبار، إذ كان يقدّر ما عندهم من أخبار قدراً عظيماً وما كانوا يدركون أن ما قصّوه عليه يساوي كل تلك المبالغ التي ينفحهم بها. ويعتبر المؤرخ صالح ضرار أول من كتب تاريخ السودان الوطني وأول عربي كتب عن تاريخ ارتريا والصومال اللتين كانتا جزءاً من السودان في القرن الماضي. طاف المؤرخ بكل بقاع البجه المأهولة وغير المأهولة في سبيل جمع المعلومات والتعرف على سكان الإقليم.

مؤلفات المؤرخ المنشورة هي: «تاريخ سواكن والبحر الأحمر»، «تاجوج والمحلق» والذي طبع مرات عديدة، «تاريخ بورتسودان عروس البحر الأحمر»، «تاريخ ارتريا والصومال»، «تاريخ قبائل الحباب والحماسين»، وكتاب «رحلاتي». أما كتاب «تاريخ شرق السودان .. ممالك البجه .. قبائلها وتاريخها» (وفيه تاريخ قبائل البني عامر والهدندوة والملهيتكناب والسيقولاب والحلنقة والإمارأر والبشاريين والأرتيقه والكميلاب والأشراف والرشايدة ... إلخ) فإنما هو نموذج للجهد الذي بذله المؤرخ في إخراج عطائه العلمي لطلاب الحقيقة وطالبي العلم والراغبين في دراسة علم الاجتماع وتطور الجماعات، إن ما كتبه المؤلف من كتب ظهرت تباعاً، تُظهر للعلم الحديث العطايا القيمة التي وهبها المؤرخ صالح ضرار لعالم التاريخ والاجتماع، وسيحدد القراء والدارسون قيمة هذه العطايا، فسيرة المؤرخ قد سارت بعيداً عند علماء الغرب بحكم اهتمامهم بتراث وتاريخ هذه المنطقة التي ارتبطت بأقدم حضارة في العالم، الحضارة الفرعونية، فكان اتصالهم به منذ زمن بعيد والاعتراف بدائرة تخصصه، فما من دارس للدرجات العليا إلاّ وجلس إليه واستمع منه إلى ما لديه من معرفة وأحاديث. إن صالح ضرار هو أول مؤرخ سوداني يكتب تاريخ السودان الوطني، فقد كانت كل كتب التاريخ الموجودة في المكتبات حتى التي كتبها بعض السودانيين تردد ما كتبه مؤرخو الاستعمار من ترهات قصدوا بها تشويه تاريخنا الوطني لتبرير استعمارهم الثاني للسودان. وفيما يخص مؤلفات المؤرخ لا بد لنا هنا أن نشيد بالجهد العظيم الذي بذله ابنه المؤرخ والشاعر الدكتور ضرار صالح ضرار في جمع وتنقيح وتقديم ونشر هذه الكتب القيمة التي هي إضافة عظيمة للتاريخ السوداني والتراث الإنساني. وقد كتب الأستاذ عز الدين ميرغني في عرضه لكتاب سواكن لمؤلفه المؤرخ صالح ضرار ما يلي: «يُعتبر الكتاب وثيقة تاريخية قيّمة وممتعة وقد كتب بلغة بليغة ولكنها سهلة وقد دوّن كثيرًا من الأرقام والصور والوثائق التاريخية مما يجعله من أهمّ الكتب في تاريخ السودان الحديث. وقد كان المؤرخ صالح ضرار منهجيًا في بحثه التاريخي لأنه قد اعتمد على كثير من المراجع التاريخية». ويُعد كتاب تاريخ سواكن أول كتاب عن تاريخ المدن في السودان، وقد جسّد فيه المؤرخ حبه وتقديره ووفائه لتخليد ذكرى مدينته التي قام الاستعمار بقتلها حتى لا تذكره بهزائمه من الأمير عثمان دقنه، ووفائه لمدينته جعل أهل سواكن ينعمون عليه بلقب «ابن سواكن البار» كما أطلقوا اسمه على احدى مدارس البنات في المدينة. ونتيجة لجهود المؤرخ صالح ضرار ومؤلفاته الوطنية الأدبية والتاريخية أنعمت عليه الدولة بوسام الشرف العام 1959م.

المسيرة السياسية عبر عصرين:

شهد المؤرخ صالح ضرار كل حوادث المهدية في شرق السودان بقيادة الأمير عثمان دقنه وهو مرافق لوالده الذي كان أحد أمراء الثورة المهدية في الشرق إلى جانب أعمامه الذين قاتلوا كلهم مع الأمير دقنه، وفيما بعد، عندما نضج، استقى منهم معلوماته التي سجّلها كتابة. وبما أن المؤرخ شبّ في فترة كان فيها الصراع محتداً بين الثوار المهدويين الوطنيين والاستعمار فقد انحاز المؤرخ بكل أحاسيسه ومشاعره الوطنية لوطنه ولأبناء وطنه الثوار، كيف لا وهو يرى جيوش الاستعمار البريطاني التي جاءت من بريطانيا ومن كل المستعمرات البريطانية في كل أرجاء العالم لتنتزع استقلال السودان، وتفتك بأبنائه بالأسلحة الحديثة الفتاكة، بل ذهب الاستعمار لأبعد من ذلك فمنع المؤذنين في مساجد سواكن من رفع أذان الصبح لأنه يزعج الإنجليز، كذلك رأى المؤرخ كيف قام الاستعمار بمصادرة منازل كل الذين انضموا للأمير دقنه من سكان سواكن وطردهم إلى خارج سور المدينة باعتبارهم طابوراً خامساً، ولم يكن يسمح لهم بالبقاء داخل أسوار سواكن بعد غروب الشمس حين تقفل بوابات المدينة، ولم يعتق البريطانيون من ظلمهم حتى بيوت العبادة التي حولوها إلى مستودعات لعلف خيولهم التي كانت تدوس بسنابكها على بساط المصلين في بيوت ألله. وبعد الاستقلال ظل المؤرخ يطالب برد أملاك الثوار الوطنيين المصادرة في سواكن لأصحابها حتى وفاته، واعتبر أن استقلال السودان يعتبر ناقصاً إذا لم يزال هذا الحيف. لهذا وغيره ثارت حفيظة المؤرخ ومشاعره الوطنية وأدرك أن هذا الغزو الاستعماري ما هو إلا حملة صليبية ثانية تريد قمع الثورة المهدية الإسلامية لأن بريطانيا كانت تعرف أن هذه الثورة لو وصلت إلى الهند حيث مئات الملايين من المسلمين فإنهم بلا شك سيثورون ضد الإنجليز ويغزون أوربا مثلما حدث للأندلس، وهذا بالتحديد ما كان ينوّر به الضباط البريطانيين جنودهم القادمين للقتال في سواكن وما حولها حيث كانوا يقولون لهم إن هذه حرب صليبية مقدسة ثانية.

عندما كان المؤرخ مقيماً في سواكن وهو صبي شبّ في بيئة ثورية ألقت بظلالها عليه في مستقبل حياته، فقد كان يشاهد أهله يقاتلون مع الأمير دقنه في الميدان وفي سواكن يشكّلون حلقة اتصال بين الثوار الذين بخارجها ومن هم بداخلها، فكانوا يقومون بنقل المعلومات بين الطرفين كما كانوا يقومون بتهريب الأسلحة القادمة للثوار من الحجاز عبر ميناء سواكن مستفيدين، من مركز قريبهم مدير الميناء. لقد تأثر المؤرخ بكل ما شاهده من نضال أهله فنمت فيه نزعة وطنية جعلته ينشط في العمل الوطني منذ وقت باكر من حياته. فبعد انكسار المهدية شارك المؤرخ، العام 1900م، في ترتيبات محاولة تهجير الأمير عثمان دقنه بحراً إلى الحجاز، لمواصلة النضال من هناك، والتي أعد لها والده سنبوكاً (زورقاً شراعياً) في ميناء ترنكتات قرب مدينة طوكر، إلا أن سلطات الاستعمار سبقتهما بأسر الأمير دقنه. على ما يبدو أن هناك تضارب في تاريخ ميلاد المؤرخ الحقيقي الذي من المؤكد أنه كان قبل أكثر من عشر سنين مما هو مسجل في سيرته الذاتية، إذ أنه روى لي شخصياً معاصرته لمعارك وأحداث جرت في المهدية يقع تاريخها يقع قبل تاريخ ميلاده هذا أو بعده بعام أو أكثر قليلاً ولا يمكن أن يكون واعياً بها إلا إذا كان أكبر من تلك السن الصغيرة. على كل حال فإن المؤرخ شارك في تحرير السودان مرتين وكتب تاريخه.

بحكم أن مدينة سواكن كانت لها علاقات تاريخية وتجارية وإدارية متصلة بالسعودية ومصر كما كانت تحت إدارتيهما على التوالي إضافة إلى قربها منهما، فقد تأثر سكان سواكن بثورة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في السعودية وثورة السيد أحمد عرابي في مصر، وانعكس هذا على تفكير المؤرخ خاصة وأن أساتذته في مدرسة سواكن كانوا من المصريين العرابيين الذين أبعدهم الإنجليز من مصر مثل الشيخ ماضي أبو العزائم الذي عُرف بخطبته المشهورة، لقد عملت كل هذه المعطيات مع ما شاهده المؤرخ في السودان من نضال ثوري وطني وديني في المهدية، عملت كلها على تشكيل شخصية المؤرخ الوطنية التي كانت عروبية إسلامية استجابة لمتطلبات عصره الذي واجه فيه استعماراً غربياً صليبياً، ولكن آفاق المؤرخ توسعت وانتقلت إلى العالمية بحكم عمله في شركة «التلغراف الإنجليزي الشرقي» الذي كان ينقل نشرة أخبار رويتر حيث مكنّه هذا من الاطلاع على الأحداث الدولية والمستجدات العالمية ومساهمات المفكرين والمناضلين العالميين من أمثال المناضل صن مؤسس الصين خاصة اطلاعه على البرقية التي هنأت فيها الصين الشعب السوداني بقتل غردون، «الشيء الذي لم يكن يريده الإمام المهدي حيث كان يهدف لمبادلة غردون بالثائر المصري أحمد عرابي»، وقد كان الصينيون ناقمون على غردون لإرتكابه، مذابحاً شنيعة عندما كان حاكماً للصين في ما كان يسمى بحرب البوكسرز.

بعد استيلاء الحكم الثنائي على السودان تم رفع العلمين البريطاني والمصري في كل المراكز الحكومية في مدن السودان المختلفة ما عدا مدينتي حلفا وسواكن، فقد كان يرفع فيهما العلم المصري فقط، ومدينة سواكن التي عاش فيها المؤرخ لم ترفع قط العلم البريطاني ولكن نسبة لعجز مصر عن تسديد ديون قناة السويس فرضت بريطانيا الوصاية عليها العام 1883م، واستغلت بريطانيا وصايتها تلك ففرضت تعيين محافظ بريطاني على سواكن لتأمين الطريق إلى الهند جوهرة التاج البريطاني. وقد حدثت للمؤرخ، عندما ذهب يطلب تصديقاً لإنشاء نادي ثقافي بسواكن، مشادة مع المحافظ البريطاني الذي لم يعجبه وضع المؤرخ لدبوس يحمل العلم المصري على ربطة عنقه فطالب الأخير بخلعه، فما كان من المؤرخ إلا أن قال للمحافظ البريطاني: عليك أن تقوم أولاً بانزال العلم المصري المعلّق فوق السارية التي أمام مكتبك قبل أن تطلب مني خلع الدبوس.

في العام 1911م نادى «الدكتور صن يات صن» بالصين للصينيين وقبله في العام 1881م نادى السيد أحمد عرابي باشا مصر للمصريين وفي العام 1922م نادى محمد صالح ضرار بالسودان للسودانيين، ولم يحد عن هذا المبدأ في كتاباته ومقالاته منذ ذلك العام فكان أول سوداني نادي بذلك الشعار الذي أصبح فيما بعد شعار حزب الأمة.

(وهو أول تاريخ لمقاله عن الإمام المهدي والأمير عثمان دقنة). إذ كان يتلخص في «لقد أحسن الإمام المهدي صنعاً بقتل غردون إذ كف ضغط الجيش الإنجليزي على الأمير دقنه حول سواكن». وقد وقف المؤرخ أيام الاستعمار ضد قانون المناطق المقفولة الذي طبقه الاستعمار في السودان وجعل إقليم البجه واحداً منها، تمهيداً لفصله عن السودان، وكان محظوراً على المتعلمين أمثالة التجوال في بادية البجه. كان المؤرخ منذ زمن بعيد ينادي بحكم السودان حكماً لا مركزياً لأنه الأنسب لتباين المناطق المختلفة في السودان، كذلك شارك المؤرخ إلى جانب محاضراته وكتاباته الوطنية في كل النشاطات الوطنية في السودان، ومنها ثورة 24، ومؤتمر الخريجين في بورتسودان الذي كان مؤسساُ ورئيساً له، كما كان رئيساً لحزب الأمة الذي أسسه في المدينة والذي تبنى شعار المؤرخ «السودان للسودانيين».

إلى جانب ذلك كان المؤرخ مستشاراً للإمام السيد عبدالرحمن المهدي الذي أوكل له تدريس بعض أبنائه التاريخ السوداني الوطني ومنهم السيد الهادي والسيد يحي المهدي رحم الله الجميع.

عندما زار جواهر لآل نهرو رئيس وزراء الهند الأسبق بورتسودان العام 1937م وهو في طريقه إلى بريطانيا لمناقشة استقلال بلاده، استقبله المؤرخ الذي كان رئيساً للجنة البجه وأخذه في جولة في أحياء البجه وعلّق نهرو على ذلك قائلاً: «إن أحوال البجه أسوأ بكثير من أحوال الهنود»، وقد تعرض المؤرخ لمساءلة وتحقيق من السلطات الإنجليزية نتيجة لأخذه نهرو في تلك الجولة. أما في انتفاضة البجه العام 1948م فقد تصدى المؤرخ لمؤامرة الاستعمار ووقف مع المناضلين الذين ارتكب الاستعمار في حقهم مذبحة بشعة في مدينة بورتسودان. لقد كان المؤرخ استقلالياً رفض أي وصاية على السودان وشارك في النضال مع الاستقلاليين حتى نال السودان استقلاله. وعند قيام مؤتمر البجه بعد الاستقلال، كان صالح ضرار واحداً من مؤسسيه وكتب كلمة قوية طالب فيها بانصاف البجه وحدد فيها المظالم ومعالم طريق الإصلاح وقد ألقاها نيابة عنه ابنه الأستاذ ضرار صالح ضرار في الاحتفال بقيام المؤتمر.

إن المؤرخ صالح ضرار هو أول من بعث قومية البجه بكتابة تاريخهم وتراثهم وتأصيل جذورهم كشعب له كيان خاص ونادى بوحدتهم داخل قوميتهم وضمن السودان الموحد، إلى جانب مناداته الدائمة بوحدة السودان مع الاحتفاظ بخصوصية كل قومية فيه بتطبيق نظام الحكم اللامركزي. وقد كان منزل المؤرخ العامر منتدى أدبياً وسياسياً واجتماعياً فقد كان المؤرخ يتمتع بعلاقات اجتماعية وأدبية وسياسية واسعة، فإلى جانب استقبال منزله للأكاديميين والدارسين السودانيين والأجانب وزوار المدينة من طلاب الجامعات القادمين في رحلات دراسية عن الشرق ، كان يستقبل أيضاً زعماء القبائل والشيوخ الدينيين، وحتى زعماء المستقبل منهم، مثل زميلي دفعتي في الدراسة وصديقيّ وقريبيّ، وكل أهل السودان أقربائي، السيد مراد جعفر شكيلاي ناظر قبيلة الحلنقه والسيد علي دقلل ناظر قبيلة البني عامر، وذلك أثناء دراستهما الثانوية وكأنهما كانا يتوقعان تولي النظارتين في المستقبل فاستعدا لهما بما كانا ينهلانه من المؤرخ من تاريخ وتراث البجه. كذلك كانت تقصده الشخصيات الوطنية والأجنبية المرموقة عند مرورها بالمدينة.

كان منزل المؤرخ هو أول محطة يزورها كل من يتولى منصب معتمد في المدينة ليتعرف منهعلى تاريخ الشرق وسكانه وقبائله حتى يعرف كيف يتعامل مع مواطنيه، ولا أنسى كيف أن السيد كلمنت أمبورو، عندما كان معتمداً لبورتسودان، كان يزور المؤرخ بصورة منتظمة ويتناقش معه في مشاكل جنوب السودان بل وفي مشاكل السودان كله. لقد استقبل منزل المؤرخ عبر تاريخه الطويل شخصيات إدارية وتاريخية أخرى مثل السيد مأمون حسين شريف ومولانا محمد صالح الشنقيطي، الذي استورد له المؤرخ كرسياً خاصاً يناسب قامته الفارعة، كذلك استقبل منزل المؤرخ الأمير كنتيباي أبوقرجه والسيد المرضي الإداري وغيرهم كُثر مما لا تسعهم المساحة. وعند تكوين حزب الأمه في مدينة بورتسودان استضاف منزل المؤرخ السيد عبدالله الفاضل والسيد الصديق المهدي اللذان حضرا لبورتسودان خصيصاً لتكوين حزب الأمه الذي أسسه وتولى رئاسته المؤرخ وذلك في العام 1948م.

كان المؤرخ حزبياً لفترة من الزمن ولكنه نفض يده عنها قائلاً: «لا مؤاخذة في تطرفي ضد عهد الأحزاب، وقد كنت حزبياً ولكنني رأيتها تقبر الكفاءات وتجعل الشاة وراعي الشاة سيان. وهذا يتنافى مع ديمقراطيتي الإسلامية». وقضى المؤرخ باقي حياته في الكتابة والتأليف وتدريس تاريخ البجه ولغتيهم لطلاب الدراسات العليا من السودانيين والأجانب.

ابراهام لنكلن الشرق:

لم يقتصر دور المؤرخ على النضال السياسي والعطاء التاريخي والاهتمام بالتعليم والصحة والبيئة، بل اهتم أيضاً بحقوق الإنسان. فقد كان في بعض قبائل الشرق آنذاك نظام اجتماعي طبقي يُقسم القبائل إلى طبقتي نبلاء وأُجراء، واستمر ذلك النظام لأكثر من ثلاثمائة عام، صنف فيه الناس إلى سيد ومسود، وقال المدافعون عن النظام بأنه نوع من الشراكة الاقتصادية، ولكن المؤرخ لم يقتنع بهذا، فقام في العام 1946م، ابتداءً بشقيقه، بالغاء ذلك النظام الذي قال عنه إنه يخالف الشرع وينتهك حقوق الإنسان فتحرر أفراد تلك القبائل وأصبح الناس سواسية في الواجبات والحقوق حيث باتت المواطنة هي أساس الحقوق.

دفاعه عن المزارعين والرعاة والعمال:

إمتد عطاء المؤرخ صالح ضرار لقضايا المجمتع، فدافع عن حقوق الرعاة والمزارعين البجه الذين بعد أن كانوا أصحاب الأرض أصبحوا أُجراء فيها بعد نزعها منهم لصالح الملاك الرأسماليين، وقد طالب المؤرخ برد الأرض لأصحابها الأصليين، وطالب بالمحافظة على البيئة التي عاش فيها البجه لألآف السنين، كما طالب بتحسين مراعيهم وسلالات حيواناتهم. وبالنسبة للعمال الزراعيين الذين يعملون بصورة موسمية في المشاريع الزراعية مثل طوكر والقاش والقضارف وغيرها، فقد اهتم بمشاكلهم إذ كان يرى الظلم الواقع عليهم من أصحاب المزارع والمشاريع والتي يعملون فيها بلا حقوق ولا ضمانات، وطالب بتمليك الأرض لمن يفلحها. كما طالب بإيقاف زراعة النباتات التي تضر بصحة العمال مثل نبات الخروع في مشروع القاش واستبداله بنباتات صحية. وقد استوقفه الوضع المزري للعمال البجه الذين يعملون في ظروف غير صحية وبلا ضمانات ويتعرضون لاستغلال أصحاب المصانع لهم مثل مصنع سواكن الذي كان صاحبه الأجنبي يستغل العمال البجه، وقد كتب عن استغلاله هذا أيضاً الأستاذ حسن نجيله. أما عمال مناجم الذهب فقد دافع المؤرخ عن العمال البجه وطالب بحقوقهم من الأجنبي صاحب شركة التعدين الذي كان يستند على السلطة الإنجليزية الاستعمارية.

عاصر المؤرخ إنشاء ميناء بورتسودان ورأى كيف قام الاستعمار بمصادرة أرضه من البجه ليرمي بهم في أطراف المدينة دون أي تعويض أو تسوية مجزية. وبعد كل هذا كانت فرص العمل التي يوفرها الميناء للبجه هي عمالة مؤقتة ليس فيها أي حقوق أو ضمانات، وكما ذكرنا فإن المؤرخ بعد تقاعده من شركة «التلغراف الإنجليزي الشرقي» اقترح على الدولة عمل مشروع لإسكان عمال الميناء البجه بتسهيلات ميسرة واعفاءات من دفع الإيجار في موسم الصيف حيث يخف العمل في الميناء. والمشروع هو نوع من المساكن الشعبية التي تملك بالإيجار لساكنيها وسُمي الحي باللغة التبداوية «ترب هدل» ويقابله باللغة العربية ـ الربع الخالي أو ربع الخراب ـ وذلك لتشويه سمعته حتى لا ينتقل العمال للسكن فيه ويتضرر من ذلك أصحاب المساكن التي كانوا يستأجرونها والتي لا تليق بسكن الآدميين.

إهتمامه بالتعليم عامة وتعليم المرأة خاصة:

إهتم المؤرخ منذ فجر شبابه بالتعليم والصحة لأنهما من مستلزمات التنمية الأساسية، وكان يدرك أن التنمية الحقيقية تكون في البشر، وأن التعليم هو أساسها وهو مفتاح التطور والتوظيف. فكان دائم المطالبة بفتح المدارس في الشرق وتشجيع السكان البجه على ادخال أبنائهم في المدارس كما كان نصيراً للمرأة حريصاً على تعليمها متمثلاً بقول أمير الشعراء:

الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق

وبالرغم من أن المؤرخ لم يكن يعمل في مجال التعليم ولا حتى في وظيفة حكومية إلا أنه كان حريصاً على مرافقة مفتشي التعليم ومنهم الشيخ القدال سعيد القدال في رحلاته لتفتيش المدارس في شرق السودان وقد كان لي شرف مرافقته في رحلاته داخل وخارج السودان ومنها هذه الرحلات إذ تعلمت الكثير من الشيخ القدال ومنه. وعند زيارة المؤرخ العام 1960م لمنطقة حلايب في رحلة تفتيش المدارس مع الشيخ القدال، قال الأستاذ علي أبومحمد منيناي، الذي كان ناظراً للمدرسة هناك، في كتابه «ملامح وذكريات من مجتمع البحر الأحمر»: إن المؤرخ صالح ضرار هو الذي اكتشف مدينة عيذاب الأثرية» التي لم يكن يُعرف مكانها إذ كان يطلق عليها وللآن اسم «أبو رماد»، وهذا مذكور أيضاً في كتاب المؤرخ «تاريخ مدينة سواكن». كان المؤرخ في هذه الرحلات وطوال الوقت، يطلب من الزعماء القبليين والشيوخ الدينيين حثّ أتباعهم على إدخال أبنائهم وبناتهم في المدارس المدنية، فقد كان يدرك أنهم وسيلة اتصال جاهزة للوصول إلى الأهالي الذين يطيعونهم. كذلك وقف المؤرخ ضد فصل البجه في التعليم في مدارس خاصة بهم بعيداً عن إخوانهم السودانيين من أبناء المناطق الأخرى إذ كان يرى أن هذه سياسة استعمارية تؤدي في المستقبل لفصل الشرق عن بقية السودان، فطالب في العام 1938م بقفل تلك المدارس واستبدالها بحصة لقبول أبناء وبنات البجه في المدارس العامة، لقد كان المؤرخ متقدماً على عصره فقد كان قومياً يعمل على إرساء وحدة السودان بتربية السودانيين على الاندماج والتعايش مع بعضهم البعض منذ صغرهم ليحرصوا على وحدة السودان بالتعايش السلمي بانسجام بين كل قوميات وقبائل السودان، ولو تم تنفيذ نفس هذه السياسة في الجنوب لما انفصل. ومن المدارس التي افتتحها مدرسة للبنين وأخرى للبنات في قريته عقيتاي بالاضافة إلى مركز صحي فقد اهتم بالقرية التي أخرجته التي كانت محرومة من التعليم والصحة. ولقد تم افتتاح مدارس أخرى غيرها كان قد طالب المؤرخ بفتحها، ولم يقتصر جهده لنشر التعليم على السودان فحسب، بل امتد إلى ارتريا حيث كان يتبرع لإنشاء مدارس عربية إسلامية فيها لمقاومة المد الصليبي التغريبي الذي تمثل في نشر مدارس الإرساليات هناك. وعندما تم افتتاح مدارس كمبوني في مدينة بورتسودان حاول ادخال ابنته البكر فيها ولكن إدارة المدرسة رفضتها بحجة أنها سودانية فقد كانت المدرسة مخصصة للأجانب فما كان منه إلاّ أن كتب خطاباً للفاتيكان قائلاً: «قلتم وادعيتم أنكم جئتم لخدمة وتعليم البجه فلماذا لا تقبلون بناتنا في المدرسة»، فما كان من الفاتيكان إلاّ أن رد بموافقة قبول ابنته فاطمة التي كانت أول سودانية تدرس في مدارس كمبوني ببورتسودان وبعدها فتح الباب واسعاً لكل السودانيات. والجدير بالذكر أن أول مدرسة متوسطة أهلية للبنات في بورتسودان التي لم تكن توجد بها مدرسة متوسطة حكومية للبنات، قامت بإنشائها زوجة ابنه رفعت الأستاذه كلتوم عمر موسى الأمير يعقوب وكان مقرالمدرسة في منزل المؤرخ العامر وخرّجت هذه المدرسة تلميذات واصلن تعليمهن حتى تخرجن من جامعة الخرطوم.

المدرسة الأهلية ببورتسودان:

في العام 1943م بادر المؤرخ صالح ضرار بفكرة إنشاء مدرسة أهلية في مدينة بورتسودان تكون مؤسسة وطنية في مواجهة التعليم الاستعماري الذي كان يدرس مقررات تعمل على تشويه تاريخ السودان. وتجاوب مع فكرته عدد من التجار الوطنيين على رأسهم السيد محمد البربري الذي تبرع ببناء المدرسة وأكمل بناءها أبناؤه بعد وفاته وواصلوا الصرف عليها، فبدأت المدرسة بنهرين في وقت كانت فيه المدرسة الحكومية من نهر واحد، وكانت المدرسة الأهلية أجمل مدرسة في المدينة وتطورت من مدرسة ابتدائية ومتوسطة فقط لتضم قسماً ثانوياً. وأوكلت لجنة المدرسة إدارتها للمؤرخ صالح ضرار فاستقدم لها خيرة المعلمين، وعلى رأسهم الأستاذ محمد أحمد سليمان (والد كل من بدرالدين وغازي سليمان) والذي استمر ناظراً للمدرسة من العام 1943م إلى العام 1949م، وحلّ بعده ناظراً للمدرسة الأستاذ أحمد حسن فضل السيد ثم الأستاذ عبدالله ناجي، وبعد ضم المدرسة للحكومة تولى نظارتها. ويقول ابنه الأصغر سليمان "إن أنسى لا أنسى أنه في اليوم التالي بُعيد الاحتفال بالاستقلال أن طلب مني المؤرخ أن أرتدي ملابسي وأذهب معه لمكتب التعليم ليسلم لهم المدرسة الأهلية قائلاً: «لقد أصبح الحكم الآن وطنياً فلنذهب لنسلمهم المدرسة»". وقد عمل في هذه المدرسة كمعلمين كل من الأستاذ عوض عبدالرازق الذي كان أول سكرتير للحزب الشيوعي السوداني قبل أن يحل محله الشهيد عبدالخالق محجوب، وعمل فيها أيضاً من الشيوعيين الأساتذة أحمد سليمان وحسن الطاهر زروق والوسيلة عبدالرحمن وحافظ البارودي وعلي أونور، اضافة إلى الأستاذ محمد صالح كاظم وغيره من غير الشيوعيين. وقد كان الاستعمار البريطاني آنذاك يفرض حظراً على توظيف الشيوعيين إلا أن المؤرخ صالح ضرار احتضنهم وأتاح لهم فرصة العمل والاستفادة من وطنيتهم وعلمهم وكان يرى أن الشيوعيين القدامى وطنيين وأبنائه فكل أبناء السودان أبنائه. وقد كان أبناء المؤرخ الكبار يعملون مدرسين متطوعين في المدرسة الأهلية عند حضورهم في العطلات الصيفية من كلية غردون في العاصمة. لقد كانت هذه المدرسة صرحاً وطنياً شامخاً وترياقاً مضاداً للتعليم الاستعماري وضمت في هيئة تدريسها شخصيات لها باع في العمل الوطني ضد الاستعمار الإنجليزي الذي كان قد حظر توظيف المناضلين الوطنيين في الحكومة لنشاطهم الوطني فأتاح لهم المؤرخ فرصاً للعمل الذي أدوه باخلاص وتفاني وأسهموا في تخريج دفعات من الطلاب المشبعين بالحسّ الوطني. والمفارقة هنا هي أنه ولا واحد من أبناء المؤرخ درس في هذه المدرسة بل عمل بعضهم متطوعين فيها وعمل أحدهم وأحد أحفاده معلمين فيها بعد ضمها للحكومة. وبعد الاستقلال كان أول ما طالب به المؤرخ هو فتح مدرسة ثانوية في بورتسودان الشيء الذي تحقق وضم إليها المؤرخ تلاميذ مدرسته الأهلية الثانوية.

في العام 1958م نجح عدد كبير من الطلاب في امتحان الدخول للمرحلة الثانوية منهم ستة عشر طالباً حصلوا على علامات متميزة في الامتحان ولكن لم تكن هناك فصول تستوعبهم في المدرسة المصرية، فما كان من المؤرخ إلاّ أن كتب خطاباً لمولانا السيد علي الميرغني يطلب منه فيه أن يساعد هؤلاء التلاميذ بفتح مدرسة لهم بعلاقاته مع الحكومة المصرية، وكان أن جاء بعد أسبوعين رد من مولانا السيد علي الميرغني بموافقة البعثة المصرية على فتح مدرسة إعدادية داخلية في مدينة وقر وهكذا تيسر لهؤلاء التلاميذ مواصلة تعليمهم. لقد استجاب السيد علي الميرغني لطلب المؤرخ بالرغم من علم الجميع بأن المؤرخ كان رئيساً لحزب الأمة وأحد أركانه خاصة في مجال الإعلام، لكن الإنتماء لحزب الأمة لم يكن يؤثر على علاقة المؤرخ بمنتسبي الأحزاب الأخرى خاصة زعماء وأتباع الطريقة الختمية التي كانت محل تقديره لدورها في خدمة المجتمع دينياً ودنيوياً وخاصة في مجال التعليم.

الرياضة والمسرح:

قامت على أكتاف المؤرخ وأقرانه في شرق السودان، نهضة رياضية ومسرحية تظهر بجلاء في الصور التي ما زالت باقية من تراثه. وكان المؤرخ صالح ضرار يتلذذ بكتابة واخراج المسرحيات التي كان يمثلها علي حمو ومختار البتنوني كأبطالهما وغيرهما من الشباب في بورتسودان، كذلك كان المؤرخ والأستاذ عبدالرحمن علي طه يقدمان في الإذاعة السودانية برنامجاً للمطارحة بالدوبيت. واتسع وقت المؤرخ لإنهاض الرياضة بما فيها كرة القدم في إقليم البجه فأسس فريق نادي السواكنيين لكرة القدم الذي تحول في ما بعد إلى فريق حي العرب أشهر وأعرق فرق بورتسودان في كرة القدم، وكذلك أنشأ المؤرخ فريقاً لكرة القدم في سنكات باسم الأمير تخليداً لذكرى الأمير عثمان دقنه. وبحكم تواجده على ساحل البحر فقد مارس المؤرخ رياضة السباحة، التي علمني أول درس فيها بالاضافة إلى المصارعة، إلى جانب ملاحة الزوارق الشراعية التي اقتنى واحداً منها أطلق عليه اسم «سلوى» وكتب عليه (سلوانا تجري بلا ربان). وضمن هواياته المتعددة مارس المؤرخ لعبة البولو مع زملاء عمله الإنجليز في مدينة بورتسودان.

هواياته:

بذل المؤرخ جهداً في الحصول على المخطوطات والسيوف الأثرية في شرق السودان وأمدرمان، وكان يجمع العصي النادرة أيضاً واقتنى واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في السودان. كذلك كان يقوم بجمع الطوابع البريدية النادرة ويحتفظ بها في ألبومات منسقة. إلى جانب ذلك كان يهتم بتربية الأبقار الأصيلة السلالات النادرة من الأغنام والغزلان بأنواعها والأرانب، واهتم بتشييد حديقة في منزله زرع فيها النباتات والأشجار المتنوعة وتخللتها ممرات معروشة بأشجار الكرم. وإضافة إلى ذلك اقتنى المؤرخ طيور الزينة والحمام الهزّاز والعصافير الجميلة والقماري ذات الأطواق، وبنى لها أقفاصاً جوار مرقده حيث كان يستمتع بسماع أصواتها، وحتى عندما سافر لمصر في مرضه الأخير لم تشغله معاناة المرض عن حبه للعصافير فأحضر معه مجموعة من العصافير النادرة لتآنسه في أيامه الأخيرة التي قُيدت فيها حركته، ولكنه واجه تعقيدات في إجراءات إخراجها من مصر عانت فيها العصافير الأمرّين فتألم لذلك ورّق لحالها وظل يهذي بمعاناتها حتى في يقظته لفرط حبه وعطفه عليها فقد كان رحمه الله عطوفاً ورحيماً حتى على الحيوانات والطيور، وحساسّاً رقيق المشاعر تؤنسه زقزقة العصافير ..ويشجيه تغريد الطيور ..ويطربه هديل الحمام. ألا رحم الله المؤرخ صالح ضرار فلقد كان موسوعة بحق وحقيقة.

رحم الله المؤرخ الموسوعة محمّد صالح ضرار


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2261


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة