جوعوا جوعكم ...!!

هيثم الفضل



سفينة بَوْح

المخدرات تطوَّرت أنواعها وأشكالها في عهد المشروع الحضاري بسبب إنشغال الدولة عن حماية البنية الإجتماعية والثقافة والفكر البَّناء وإلتفاتها الكُلي لقضايا التمكين وإستتباب أمر دوام السلطة ، ولأن الإنسان الذي لا يختلف الحُصفاء في كونه عماد التنمية وطوق نجاة الدول إذا ما إدلهم ليلٌ بهيم ، هو بإستمرار آخر ما يوضع على قائمة أولويات حكومة المؤتمر بما في ذلك كل حاجاته الضرورية التي حال الغلاء الفاحش دون تطلَّعه إلى الحصول عليها ، أو ما يتعلَّق بدعم ولو جزئي لتكاليف علاجه أو حصوله على الدواء ، أو حتى عن طريق رسم القوانين واللوائح والسياسات التي تساند قطاع التعليم الحكومي ليقف منافساً للتعليم الخاص الذي جعل من التعليم سلعةً و(رفاهية) لا يطالها إلا أصحاب الجاه والنفوذ والمرضيَّ عنهم من الموالين ، والدولة عبر الكثير من نافذيها الذين دائماً ما يتورَّطون في المنابر العامة حينما يُجابهون بشكوى الناس من الحال البائس الذي أصبحت ترزح فيه البلاد بعد الإنهيار الإقتصادي وإنتحار الجنيه السوداني وفوضى السوق والأسعار وأزمة الوقود وغاز الطعام ، دائما ما (يُمِّنون) على المواطن بما أسموه حال الأمن المستتب في البلاد ، ثم يضرب بعضهم المثل بما أصاب دول الجوار العربي من فوضى وإنعدام أمن ، وكأنهم يقولون (جوعوا جوعكم وأصبحوا آمنين) ، أي بلغة أخرى أن إستقرار الحال والحصول على ما يسُدُ الرمق لا يستقيم أمره ومثوله في حياة المواطن السوداني إلا وهو في حالة خوف وفزع وإنعدام أمن ، لا أدري ما الذي يجمع بين الأمرين في فقههم المشبوه ، لكن ما علينا المهم أن يعلم أولئك المرَّوجون لفكرة (الأمن والسلامة مقابل الجوع والمهانة) أن الشعب السوداني يعلم أن حالة الأمن في هذه البلاد لم تبلغ حدها المثالي الذي يتبجَّحون به كلما سنحت فرصة في منبر لصاجب مصلحة شخصية في بقاء حال البلاد على ما هو عليه من بؤس و دمار وفساد مستوطن ، فالمخدرات التي تُروَّج في المدارس والجامعات أصبحت تدخل البلاد بالحاويات وبأشكال وأنواع تنافس ما يوجد في البلاد الأجنبية المشهورة بهذا الداء ، وبالأمس قُتل زوجان في حي الدناقلة ببحري قتلة شنعاء والناس تؤدي صلاة العشاء ونُهبت سيارة المجني عليه في وسط الخرطوم ، وحوادث إغتصاب الأطفال وقتلهم ورميهم في بالوعات الصرف الصحي تترى كل يوم ، وفوضى الأسواق وجشع التجار المُسلَّط على رقاب المواطنين دون إلتفات من الأجهزة الأمنية المعنية هو أيضاً مؤشر لإنفلات أمني يحيط بالمجتمع ، وتردي حالة البيئة العامة وفيضان الصرف الصحي في السوق العربي والمحلي حول محلات بيع الطعام وعدم مراقبة الإشتراطات الصحية لبيع الأغذية هو أيضاً مُهدِّد أمني مُسلَّط على رقاب الضعفاء والمساكين لأنهم (بلا وجيع) ، إلا إذا كان هؤلاء يمِنَّون على المواطن نومهُ ليلاً كل يوم وصحيانه صحيحاً مُعافى من دون سوء ، أقول لهم واجهوا عوراتكم وإعترفوا بإشارات الفشل التي أصبحت ثوباً مهلهلاً وقميء اللون والمنظر تتجوَّلون به وسط الناس ، ثم إعتذروا لهذا الشعب عن ما بليتموه به من صعاب وجراحات وترَّجلوا وأتركونا لله رب العالمين .. هذا إن لم تزل في الضمائر مضغة صدق وأمانة.

[email protected]
صحيفة الجريدة

هيثم الفضل | 06-12-2018 08:12 AM



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.