الثورات والأناشيد

محمود محمد ياسين

دائما ما تكون الأناشيد والأغاني الثورية صدى لصوت الثورات والانتفاضات الكبيرة ملهبة حماس الناس؛ ولعل نشيد الأممية (The Internationale) هو الأكثر تعبيرا عن هذا الغرض. ونشيد الأممية نظمه الشاعر الفرنسي الثوري يوجين بوتيير (Eugene Pottier) في 1871 مباشرة في أعقاب هزيمة كمونة باريس التي أسست لأول حكومة عمالية عرفها التاريخ؛ وصار هذا النشيد انشودة للحركة العمالية ووظفته العديد من التنظيمات الاشتراكية في نشاطها الدعائي، وكان النشيد الرسمي لروسيا بعد انتصار الثورة الاشتراكية فيها ولاحقا للاتحاد السوفيتي قبل ان يستبدل بآخر ( النشيد الوطني السوفيتي) معبرا عن الخطوات التي قطعها التطبيق الاشتراكي في ذلك البلد بالإضافة إلى الحاجة لكلمات غنائية تعبر عن الطابع القومي للسياسات السوفيتية خلال الحرب العالمية الثانية. وأدناه مقطعان من انشودة الأممية الخالدة التي تمت ترجمتها لحوالي من مائة لغة.

هـبوا ضحايا الاضـــطهاد ضحايـا جـــوع الاضطـرار
بـركــان الـفكـر في اتـّـقاد هــذا آخــــــر انـــفـــــجــار
هــــيا نحــو كــــل ما مـر ثــوروا حـطـموا الـقــــيــود
شــــيـدوا الكون جديد حر كــونـــوا أنــتـم الــــوجـــود
بـجـموع قـوية هبوا لاح الظفر
غـــد الأمـمــية يـوحد الــبشــر
******
حــكــم وشــــرع ظالمان مــأجـــوران لـلأغـــنــيــــاء
حــديــث فـــارغ الـمعــان ذكــــــر حــقـوق الــفـقـــراء
دعــوا الهـــزء بالــمساواة فـــالمـــســـــاواة طــــريــق
الـــحــقــوق بالـواجــبــات والواجـبــات بـالـــحـــقــوق
بـجـموع قـوية هبوا لاح الظفر
غـــد الأمـمــية يـوحد الــبشــر

وفي بلدان الربيع العربي (وبالأخص في مصر وسوريا) ظهرت الاناشيد الثورية التي تصب جام غضبها على الأنظمة المتسلطة المُنتفَض ضدها وتستنهض همم الثائرين. وهذا الصدى الصوتي للحراك الرافض للأنظمة الجاثمة على ظهر الشعوب في منطقتنا العربية والأفريقية أتى صوتا واضحاً في التنديد بظلم هذه الأنظمة التي صار وجودها صخرة منيعة تتحطم عليها كل أمال الشعوب في عيش حياة طبيعية كريمة ولا ينسد فيها أفق المستقبل أمام الشباب........ومواصلة لهذا الإبداع كان لافتا للنظر بعض الأناشيد والأغاني ذات هذا التوجه التي يشترك ويبدع في أدائها الآلاف من الشباب التي أتت لاحقا من المغرب والسودان.

ففي المغرب جاءت أغنية "في بلادي ظلموني" كأغنية شعبية تتحدث عن الواقع المأساوي للشباب هناك نتيجة تهميشهم واختلاس الأموال العامة واضطهاد الجماهير وسلبها حقوقها؛ والنشيد ابتدعته مجموعة من الشباب الذين ينتمون لنادى رياضي مغربي ( ما يسمونهم بالألتراس) في 2017 تعبيرا عن معاناتهم وغضبهم من فجيعة فقدان الأمل في المستقبل وضياع الوطن؛ وتزامنت الأغنية مع احتجاجات واسعة شهدتها عدة مناطق مغربية تطالب بفرص العمل وتحسين ظروفه ورفع الأجور والرواتب حيثما ينطبق ذلك. و " في بلادي ظلموني" كان حدث إنشادها لأول مرة في 2017 من قبل عشرات الآلاف من الشباب المغربي في مدرجات أحد الأندية الرياضية بصوت واحد، حدثا - وفق الكثيرين- لم يشهد له التاريخ مثيلا في مضمار الغناء الجماعي (العفوي). ومن أبيات الأنشودة التي حولتها كثير من المواقع من العامية المغربية إلى العربية الفصحى:

اوه اوه اوه اوه
في بلادي ظلموني
في هذه البلاد نعيش في غمامة، نطلبُ السلامة
انصرنا يا مولانا
يُوزّعون لنا حشيش كتامة (منطقة معروفة بزراعة الحشيش بالمغرب)
تركونا مثل اليتامى... والحساب يوم القيامة
مواهب أضعتموها.... بالمخدرات كسرتموها
كيف صرتم ترونها؟
أموال البلد كلها سرقتموها، للأجانب سلّمتموها
والأجيال الصاعدة قمعتوها
اوه اوه اوه اوه

وفى السودان نقل الفنان أيمن ماو اغانيه، التي اتسمت بتناول قضايا الوطن، إلى ساحة الاحتجاجات الشعبية، في الخرطوم، المطالبة باجتثاث كل مظاهر حكم الإنقاذ الذي أطاحت براسه انتفاضة 19 ديسمبر؛ وقد كان مشهد الغناء الذي أداه هذا المغنى في أحد الأيام من نهاية شهر مايو مشهدا أسطوريا بديعا صيره هكذا اشتراك مئات الالاف من الشباب بترديد الكلمات الغنائية. إن أناشيد أيمن تقوم على موسيقى الريغى - reggae _ (وغناؤه ليس راب -rapping-كما يعتقد البعض). وإن اختيار الفنان لغناء الريغى يمثل مفارقة أو طريقا موسيقياً بديلا لتقديم مثل هذه الغناء الذي ظل يقوم في السودان على السلم الموسيقى الخماسي. ومن أناشيده:

قالو جو ينقذونا... قام قلبوو البلد
قالو جو ينصفونا... قام سرقو البلد
قالو جو قالو جو..اكلو اللحم والعضم تفو
القال بغم بالسلاح صفو
مسكو حكم البلد سفوو
الكان نزيه للمعاش رفوو
جابو زعيم بالطبل زفو
جابو كلب للخلق طلقو
والمال العام نهبو سرقوو
غسيل اموال ف الشتا والصيف
لا تسال كم لا تسال كيف
قصور من قيف لقيف
حديد سنين زي حد السيف يا بلد نشفوك نشيف
يُنظِّر فيك ابو العريف يحلل ليك نهب خطيف

إن الأغاني العربية الثورية الحالية تتميز بالطزاجة وملامسة للواقع إلى حد كبير ومعبرة بشكل صريح ومباشر (head-on) عن معاناة المواطنين والتهميش الفظيع الذي يعاني منه قطاع الشباب. وهذه الأغاني نزعت لتبني أطر موسيقية ولحنية جديدة غير مألوفة محليا واستعمال المفردات البسيطة؛ وهذه الميزات جعلتها ليس فقط سهلة الوصول لوجدان الشباب وتحريك مشاعرهم بالصورة التي تجعل مشهد آلاف الشباب المغربي ينشدون بشكل جماعي واحد أنشودة " في بلادي ظلموني " مشهدا مهيبا لا مثيل له.

والأغنية ذات المضامين السياسية التي طورها تطويرا كبيرا مثقفو الطبقة الوسطى لا بد لها، مستقبلا، من كسر الحدود التي تقبع فيها في الوقت الراهن وارتياد آفاق أرحب والانتقال لمستوى أعلى عندما تعكس تطلعات ومطامح الطبقات الكادحة.

محمود محمد ياسين
[email protected]

محمود محمد ياسين | 05-14-2019 10:37 AM


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.