الهبوط الناعم في نسخته الجديدة

 	مختار محمد مختار

لم تأتِ عظمة هذه الثورة التي تعتمل الآن من فراغ، فقد كانت حبلى بتجارب كامنة في وعي سياسي بدأ يتشكل باكراً منذ بدايات القرن المنصرم، وقد تبلور في نشوء حركات سياسية ذات مطالب قومية صريحة، مرورا بتكون الأحزاب السياسية يمينها ويسارها في منتصف ذات القرن. تجلى ذلك الوعي مرة في إبتدار ثورة شعبية فريدة لا مثيل لها في محيطنا الإقليمي، حين كانت الكثير من الدول لا تزال تناضل جاهدة من أجل الاستقلال عن المستعمر. كما تجلى ذاك الوعي في اشتعال جذوة الثورة مجدداً في ابريل الظافرة، ليؤكد الشعب السوداني بالفعل أنه شعب معلم يستطيع أن يعيد تنظيم نفسه مهما تكالبت عليه الأنظمة الديكتاتورية، ليعود في كل مرة ويحلق عاليا في سماء الثورة البديعة.

إلا أنه ما حلق هذا الشعب عالياً بأحلامه وسما، إلا ويعود ويسقط من ذلك العلو الشاهق، ليغشاه من جديد ثالوث الجوع والفقر والمرض. وهكذا لم يجنِ الشعب السوداني من ثورتيه الأوليين غير تقليب الكف ملوماً محسوراً، فقد سقطنا في امتحان ما بعد الثورة مرتين، لنستبدل التسلط الشمولي بالفوضى السياسية لأحزاب اليمين التي دائما ما كانت تقطف ثمار الثورة.

لم يتسنَ للكتلة التقدمية في أكتوبر وابريل دائماً دحر القوى الرجعية، فقد كان طوفان الطائفية أكبر من أن يصد وكان حسن ظن البسطاء في تجار الدين أغلب من أن يرد. لذا كانت الأحزاب الطائفية والدينية تسيطر بغلبة واضحة على كل مستويات الحكم. ثم تفشل بجدارة في الحفاظ على مكتسبات الثورة وفي إدارة شؤون البلاد، فتسقط البلاد بعد حين في يد العسكر وتسقط الثورة، ويتجدد هتاف الشعب "يسقط يسقط حكم العسكر". وها هو الآن نظام البشير قد سقط، فهل سنسقط في امتحان ما بعد الثورة للمرة ثالثة؟

نحن الآن بالضبط في النقطة نفسها التي بدأ عندها إجهاض وسرقة الثورتين السابقتين. حيث تلتف الأحزاب اليمينية على دينمو الثورة جبهة الهيئات/ التجمع النقابي ثم تقعده عن متابعة المسير بعد استعجال إجراء انتخابات عامة كانوا يضمنون فيها الأغلبية الساحقة بحكم الطائفة والدعاية الدينية الفطير.

الآن كل حدث تكرر بالكربون في هذه الثورة، حتى قطار عطبره الحدث "الفلته" بين أحداثها كان له نظيره في ثورة أكتوبر المجيدة. فهل- وقد تكرار السؤال ثلاث-نعجز أن نجيب ونجتاز امتحان النجاح في الثورة بالعلامة الكاملة فنصل بثورتنا إلي غاياتها في التمني المشروع بوطن مستقل سيد نفسه عاتي ديمقراطي ينعم فيه أهله بالرفاه والكرامة.

وها هو حزب الأمة يعد العدة من جديد للالتفاف على تجمع المهنيين، وللعجب الشديد بنفس المبررات التي تم عبرها الالتفاف على جبهة الهيئات، من قبيل أن جبهة الهيئات والشيوعيين قد سيطروا على الأوضاع- (يمكن مقارنة ذلك مع تصريح صلاح جلال الأمين العام لنداء السودان في صفحته على فيسبوك والذي اتهم فيه قوى الإجماع وتجمع المهنيين بمحاولة سرقة الثورة). وإن كان حزب الأمة قد مرر مبتغاه آنذاك بإظهار القوة والتهديد بعد جلب الأنصار من كل مناطق نفوذه ليملأوا العاصمة الخرطوم وهددوا الحكومة وطالبوا باستقالتها -وفي ذلك أصدر احمد المهدي بيانا قال فيه "إن لحزب الأمة القدرة على تغيير الحكومة، إلا أنهم يفضلون حلاً مدنياً لحل الأزمة السياسية بالبلاد. وإن لم ينجح ذلك الحل السياسي فسيجد حزب الأمة نفسه مجبراً على استخدام القوة".

إن قراءة أحداث ثورتي أكتوبر وابريل مقرونة بتصريحات الأستاذ صلاح جلال وتصريحات نائب رئيس حزب الأمة د. إبراهيم لجريدة الجريدة " قوى الحرية تتحدث عن أربع سنوات للانتقالية والمجلس عن سنتين ونحن عامين قابلة للتجديد" أن قراءة كل ذلك مع بعض يؤكد أن الطائفية تستقصي ذات الأثر القديم في وأد أحلام ثورات الشعب السوداني استعجالاً وطمعاً في سلطة كانوا سينالونها والبلاد معافاة من كل جرح لو صبروا على المقتول.

ألآن ليست لذلك الحزب الطائفي ذات القوة حينذاك فقد انتشر الوعي في مناطق نفوذهم وما عاد الأنصار ذلك القطيع الذي يمكن قيادته بإشارة من زعيمهم الطائفي، وقد علمتهم التجارب المريرة أن اكبر طعنة تأتيهم ممن كانوا يدينون لهم بالولاء المطلق والقدسية المبجلة، لدرجة أن زعيم حزبهم كان يساوم بدماء شهدائهم ويجتهد في طلب العفو لقاتلهم أما المحكمة الجنائية الدولية، في سبيل كسب تنازل لا يريق ماء وجه في طلب السلطة شريكا مع الإنقاذ، ناهيك عن السؤال بماذا أبر حزب الأمة دراويشه في دارفور والجزيرة وهم الذين ضمنوا له السلطة التنفيذية ليتبوأها مرتين ؟!

لذلك يستعيض حزب الأمة بتحالفات تعوض له ذلك العدد الكمي من الأنصار، تحت مسمى "نداء السودان" جمع تحت عباءته كل من هادنوا النظام يوماً أو ساوموه أو باعوا القضية التي كانوا يتشدقون بالدفاع عن حياضها، حتى لفظتهم أجسامهم أو أيضاً بعض من تخلوا عن إسقاط النظام كمشروع ، ليقود ذلك التحالف حملة لأخس مساومة في تاريخ السودان كادت أن تشرعن لكل السياسات التي أعملتها حكومة الإخوان المسلمين في حق الشعب السوداني من رهن مصالحه للخارج وإذلاله والتنكيل به في الداخل.

كنا نظن أن ذلك المشروع وما كانوا يسمونه الحل السياسي الشامل ناتج عن سوء تقدير وقصر في الحكمة السياسية ممن أطلق عليه أنصاره بحكيم الأمة أو في أحسن حالاتها هي حالة يأس من إسقاط نظام الإنقاذ الذي تعملق في تمكين نفسه على مفاصل الدولة وتمترس خلف آلة عسكرية أمنية جبارة، وربط مصالحه مع مصالح قوى دولية إقليمية، فكنا من اجل ذلك نستميحهم العذر في مشروعهم" البصيرة أم حمد".

وكنا نظن أن آخر عهدنا بتلك المساومات حين تقدم السيد حين رئيس حزب المؤتمر السوداني في مساء التاسع عشر من سبتمبر في كلمة موطئا لحديث السيد رئيس حزب الأمة الذي حدثنا من بعده عن ثقب الأوزون وكيفية الرتق، حين كانت شعلة الثورة تنتقل من مدينة لأخرى. لكن للأسف فإن ذلك المشروع" مشروع الهبوط الناعم" لا يزال فاعلا في الساحة، وتقوده الكتلة نفسها لتجرجر ثورتنا أذيال الخيبة والحسرة، لتؤكد أن ذلك المشروع لم يصدر كما كنا نظن عن سوء تقدير أو حسن نوايا بقدر ما هو مشروع فيه سبق الإصرار والترصد لمصالح ذاتية وطبقية حزبية على حساب الوطن والشعب.

فبدلا من محاورة الإنقاذ ها هو السيد نائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان ياسر عرمان يسعى جاهداً إلى الحوار مع المجلس العسكري الذي يراه عرمان شريكاً في الثورة، وهو مافتئ يؤكد أن الدعم السريع ككيان منفصل هو شريك في الثورة، وبالتالي يجب أن ينال حظه في كيكة السلطة ليضمن من أوعز لذلك التصريح، بقاء الدعم السريع كقوة عسكرية خارج سلطة القوات المسلحة تحقق مآربه.

وفي ذات السياق يصدر حزب المؤتمر السوداني بياناً يقول فيه إن سياسات ما بعد الإنقاذ يجب أن تقترب من مصالح الشعب السوداني، ثم يردف في الفقرة التي تليها أنه يجب مراعاة التقاطعات الإقليمية في المنطقة. ونتساءل هنا: لماذا يجب أن تقترب سياستنا مع مصالح الشعب السوداني؟ ولماذا لا تتطابق؟ وما هي تلك التقاطعات الإقليمية بالضبط؟

أما السيد رئيس حزب الأمة السيد الصادق المهدي فينادي بعدم استفزاز الجيش بمحاولة حرمانه من شرعيته، وهو حديث قصد منه فقط إعطاء المجلس العسكري شرعية، تماماً كما أعطى حزب الأمة الجنرال إبراهيم عبود السلطة والشرعية السيادية.

إن مشروع الهبوط الناعم ما زال ماثلا في مسرحنا السياسي في نسخة جديدة بعد سقوط النظام الإنقاذ، حيث ما زال جوهره اقتسام السلطة مع العسكر مقابل رهن البلاد ومقدراتها لقوى خارجية على حساب الشعب السوداني، وإذا كان مشروع الهبوط الناعم ما زال قائماً، فإن مشروع إسقاط النظام يجب أن يعلن عن نفسه من جديد، وهذا الأمر يعني تحديداً قوى الإجماع الوطني وتجمع المهنيين والجبهة العريضة و عبد الواحد محمد نور وعبد العزيز الحلو.

فلتتمايز الصفوف من جديد, فالذين رعوا مشروع إسقاط النظام بدون أولئك المساومون, حتى شب عن طوده ثورة, , قادر على أن يسقط المجلس العسكري مثنى ورباع , كيف لا وقد خبر الشباب دروب الثورة, عنفوانها وعظمتها .


مختار محمد مختار
[email protected]

مختار محمد مختار | 05-14-2019 08:05 PM


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.