كلكم يبكي فمن قتل الشهداء

حيدر المكاشفي

تنازعتني عدة خيارات لعنوان موضوع اليوم المؤسف الحزين، ونبدأ أولا بالترحم على أرواح شهداء المتاريس ونتمنى عاجل الشفاء للجرحى والمصابين، فقد بدا لي في البداية أن يكون العنوان (عيون في القتل بكّاية) على نسق الاغنية الكردفانية الشهيرة التي يؤديها الراحل الفنان صديق عباس رحمه الله (حبيبي الدنيا قسّاية، أبت ما تبقى رضّاية، عيون في الغربة بكّاية، دموع ماشة ودموع جاية، ظروف والله حكّامة، مصاير ربي قسّامة، أفوت أهلي دون خاطري، متين الرجعة والطلة، آه يا دنيا، حرام يا دنيا.)، ثم فجأة خطر لي أن يكون (أرواح الشهداء من سرقها؟) على شاكلة (الفاس منو سرقو، أنت سرقو.. الخ) وهى غلوتية ولعبة صبيانية تقوم على المغالطة والغلاط، وثّقها الشاعر الشعبي محمد جيب الله كدكي قائلاً فيها (الزمن العلينا إن جيت تقلّب ورقو، ما بتقدر عليهو السرو عند الخلقو، الفاس ما إتعرف لى هسع مين السرقو).

وبينما كنت أفاضل بين هذين الخيارين وأيهما أختار كعنوان، قفز الى ذهني خيار ثالث هو الذي جعلته عنوانا (كلكم يبكي فمن قتل الشهداء) على غرار المقولة التراثية الشهيرة (كلكم يبكي فمن سرق المصحف؟) والتي تقول مناسبتها إن العالم الزاهد مالك بن دينار الذي عاش في عهد الحاكم العادل عمر بن عبد العزيز، فقد مصحفه في مجلسه الذي كان يعظ الناس فيه ويفسر لهم القرآن منه، فسأل الحاضرين عن مصحفه المسروق، فإذا بهم كلهم ينخرطون في نوبة بكاء حار تأثراً وخشوعاً وخشية، فهاله المنظر وأطلق عبارته التي ما يزال الناس يتداولونها الى يومهم هذا، ولا أتذكر مقولة مالك إلا وأتذكر معها مثيلتها مقولة الامام الحسن البصري - من كبار الفقهاء -، حين كان في أحد الايام يخطب في من حضروا مجلسه ويعظهم، فبلغ بهم التأثر والانفعال بالخطبة مبلغاً جعل أصواتهم ترتفع بالبكاء والنحيب، فاستغرب الامر واستحضر في نفسه ما انتشر في المجتمع من ظلم وفساد، وقال مقولته الخالدة (عجيج كعجيج النساء ولا عزم، وخدعة كخدعة إخوة يوسف جاءوا أباهم عِشاءً يبكون)..

الشاهد في هذا البكاء الجماعي على الشهداء الذين تبارت كل الجهات الحاملة للسلاح في نفي علاقتها بقتلهم وتطاقشت بياناتهم المتبرئة عن الجريمة، أنه يعيد للمشهد ما حدث لشهداء هبة سبتمبر 2013، حين قال وقتها الفريق أحمد إمام التهامي؛ رئيس لجنة التحقيق الرسمية في تلك الأحداث المؤسفة بعد أن نفى أية صلة لكل القوى النظامية بقتل الشهداء، قال: (هناك عربات بدون لوحات كانت تضرب في الذخيرة)، وبحديثه هذا بدا وكأنه أراد أن يقول: (هناك عربات مجهولة الهوية والتبعية عليها كائنات غير معروفة وغير مألوفة كانت تضرب في الذخيرة)، وهذا ما يحدث الآن بالضبط مع شهداء المتاريس، فقد نفت القوات المسلحة عن نفسها علاقتها بالحادثة البشعة وقالت في بيان رسمي أن من تعدوا بالضرب على المعتصمين غير تابعين للقوات المسلحة ولا الدعم السريع، بل أن الدعم السريع أصدرت بنفسها بيان منفصل اتفقت فيه مع بيان الجيش في نسبة ما وقع من قتل إلى مجموعات قالت أنها تحاول النيل من القوات المسلحة والقوات النظامية الأخري وتعمل على منعنا من الوصول لتحقيق أهداف الثورة، كما نفى جهاز الأمن والمخابرات الوطني صلته بالأحداث التي شهدتها القيادة العامة وقال بيان مذيل بتوقيع إعلام الأمن أنهم ملتزمون بجمع المعلومات وتحليلها ورفعها للجهات المختصة، ولم يتخلف حتى الفلول ممن اتهمتهم بعض البيانات تلميحاً أو تصريحاً بأنهم قتلة الشهداء سارعوا لنفض أيديهم من دماء الشهداء، فقد تبرأ حزب المؤتمر الوطني من الحادثة بل وطالب بتحقيق عاجل في الاحداث وتقديم الجناة للعدالة، وكذا فعلت الحركة الاسلامية ومنبر السلام العادل..

إذن بعد كل هذا النفي لم يبق سوى الدودو لتوجيه التهمة له على رأي اللعبة الصبيانية المعروفة..

الجريدة

حيدر المكاشفي | 05-15-2019 05:02 PM