الأخبار
ملحق المنوعات
الوظائف التي تجتذب الآلاف من طالبي العمل في الهند
الوظائف التي تجتذب الآلاف من طالبي العمل في الهند
الوظائف التي تجتذب الآلاف من طالبي العمل في الهند


06-12-2018 04:08 AM
يمكن أن يكون الفوز بوظيفة حكومية في الهند مسألةً مضنيةً بشدة، كما قد ينطوي التسابق للحصول عليها على منافسة شديدة، ربما يشارك فيها الأزواج، وكذلك أفراد الأسرة الواحدة.

رغم أن هذه هي المحاولة السابعة لـ"أنيش تومار" للحصول على وظيفةٍ في الحكومة الهندية، وهو ما يعني أنه يألف تماماً الإجراءات الخاصة بذلك وما تتسم به المنافسة على الفوز بمثل هذه الوظائف عادةً من حدةٍ وضراوة؛ فإن الأمر هذه المرة مختلفٌ، إذ أن زوجته من بين منافسيه على العمل ممرضاً، في إطار فرق الرعاية الطبية التي توفرها هيئة السكك الحديدية بالبلاد للعاملين فيها.

ورغم أن تلك الوظيفة ذات مكانة متدنية نسبياً، فإنها ستجتذب المئات إن لم يكن الآلاف من الراغبين في الحصول عليها، وهو ما كان الحال عليه خلال المحاولات السابقة لـ"تومار" للالتحاق بركب الموظفين الحكوميين في بلاده.

فهذا الشاب، الذي لا يمكن أن يُوصف بأنه صعب الإرضاء، سعى من قبل للعمل كـ"مُعلم" وحارسٍ للغابات، دون أن تُكلل محاولتاه في هذا الشأن بالنجاح. ويتذكر "تومار" ما حدث خلال محاولته للالتحاق بتلك الوظيفة الأخيرة بالقول، إنه لم ينجح في اجتياز الكشف الطبي اللازم للعمل في إدارة الغابات.

في الوقت الراهن، يعمل هذا الشاب - البالغ من العمر 28 عاماً - مسؤولاً عن التسويق في شركة لمنتجات العناية بالصحة في "بيلفارا"، وهي بلدةٌ متوسطة المساحة تُعرف بصناعة النسيج، تقع في ولاية راجستان شمالي الهند.

وتُدِرُ وظيفة "تومار" الحالية عليه دخلاً شهرياً يُقدر بـ 25 ألف روبية (ما يوازي 370 دولاراً أمريكياً). ويشعر هذا الرجل بأنه يعمل فوق طاقته، ويحصل على مقابل أقل مما يستحقه أيضاً. ويقول في هذا الشأن: "الأمر يصل إلى درجة أنه يتعين عليّ الرد على اتصالاتٍ هاتفية في جوف الليل.. لا وقت للراحة".

وهكذا فبالنسبة لشخصٍ مثل "تومار"، يعيش في بلدةٍ صغيرةٍ في الهند، يُشكِّلُ الحصول على وظيفة حكومية أمراً يستحق القتال من أجله. فالالتحاق بالسلك الوظيفي الحكومي، يترافق مع نيل مميزاتٍ تكفل للمرء ما يمكن وصفه بـ"الأمن الوظيفي"، إذ يحصل على مسكنٍ يعيش فيه ورعايةٍ صحيةٍ مجانية لأسرته، بجانب امتيازات أخرى، مثل منحه بطاقات سفرٍ لأسرته بالكامل.

ومن الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن الشرط الوحيد الموضوع في هذا الشأن، يتمثل في ضرورة أن يكون كل من يتمتعون بذلك الامتياز مُعالين من قبل شاغل الوظيفة. لكن هذا لا يفرق كثيراً، فلأن الأسر الهندية غالباً ما تكون كبيرة العدد، فإن من يصبحون من أفرادها عائلين لا مُعالين ومن ثم يفقدون هذه الميزة، سرعان ما قد يُعوضون بأخوة آخرين وُلِدوا للتو.

ويزيد من بريق الوظائف الحكومية في الهند، أن أول راتب يتقاضاه الملتحقون حديثاً بها، لا يختلف كثيراً عن نظيره في القطاع الخاص، وذلك بفضل مراجعة واسعة النطاق لرواتب الموظفين الحكوميين، أُجريت عام 2006.

فعلى سبيل المثال، سيتمكن "تومار" من الوصول براتبه الشهريٍ إلى 35 روبية، إذا ما نال الوظيفة التي يسعى للفوز بها، والتي تتمثل في العمل في مستشفى تديره هيئة السكك الحديدية وتُخصصه لعلاج موظفيها.

ومن هذا المنطلق، ليس من قبيل المفاجأة أن تنهال طلبات التوظيف بكثافةٍ على إداراتٍ حكومية مثل السكك الحديدية والشرطة، عندما تفتح باب الالتحاق بالعمل فيها. وفي هذه الحالات، يمكن أن يزيد عدد المتقدمين على عدد الوظائف، وبشكلٍ كبير للغاية أيضاً.

"تومار" مثلاً بحاجةٍ إلى قدرٍ كبيرٍ من الحظ للعمل موظفاً في هذه المستشفى التابعة لهيئة السكك الحديدية، نظراً إلى أن عدد المتنافسين على كل وظيفة من الوظائف التي تطرحها الهيئة، يزيد في المتوسط على 200 شخص.

ولتوضيح الصورة، يكفي أن نقول إنه عندما فتحت هذه الهيئة في مارس/آذار الماضي باب العمل فيها بعد توقفٍ استمر ثلاث سنوات، ونشرت إعلاناتٍ في مختلف أنحاء الهند بشأن حاجتها لشغل نحو 100 ألف وظيفة، تلقى المسؤولون فيها أكثر من 23 مليون طلب توظيف من أشخاصٍ يرغبون في العمل، كـ"حمالين" أو "فنيي كهرباء" أو في مجال مد خطوط السكك الحديدية وصيانتها، أو في مجالاتٍ أخرى.

ولا يشكل هذا الإقبال الهائل أمراً غريباً أو شاذاً. فبعد أسابيع قليلة من حملة التوظيف التي أطلقتها "السكك الحديدية"، تقدم 200 ألفاً من سكان مومباي لشغل 1137 وظيفة شرطي، وهي أدنى مراتب العمل على الإطلاق في شرطة المدينة. وفي عام 2015، تلقت السلطات في ولاية أوتار براديش 2.3 مليون طلب توظيف، من أشخاصٍ يتنافسون على شغل ما لا يزيد على 368 وظيفة شاغرة للعمل كموظفٍ مكتبيٍ في سكرتارية الحكومة المحلية. ويعني ذلك أنه كان هناك 6250 مُتنافساً على كلٍ من هذه الوظائف.

وبسبب هذا العدد الغفير للغاية، اضطر المسؤولون المحليون في الولاية لإرجاء حملة التوظيف هذه برمتها، نظراً لأن إجراء مقابلات مع كل المتقدمين لهم، كان سيتطلب أكثر من أربع سنوات.

وفي الكثير من الحالات، يكون المتقدمون لشغل مثل هذه الوظائف حاصلين على مؤهلاتٍ تفوق بكثيرٍ ما هو مطلوبٌ منهم لنيل فرصة العمل التي يسعون للحصول عليها، بل إن نسبةً كبيرةً منهم يحملون درجاتٍ جامعيةً في مجالاتٍ كالهندسة وإدارة الأعمال.

فالمفارقة أن الشروط المطلوب توافرها في المتقدمين لشغل وظائف في إدارات الحكومات المحلية في الهند، لا تتجاوز أن يكونوا قد واصلوا الدراسة حتى سن العاشرة، وأن يكون بوسعهم ركوب الدراجات الهوائية.

أما نيل فرصة عملٍ من الـ 100 ألف وظيفة التي كانت هيئة السكك الحديدية الهندية قد نشرت إعلاناتٍ لشغلها قبل تعليقها لهذه الحملة، فكان يتطلب أن يكون المتقدم قد استكمل دراسته في المدرسة العليا. فما الذي يجتذب الكثير ممن هم مؤهلون بشكلٍ يفوق المطلوب، للتنافس على شغل هذه الوظائف؟ لا بد أن هناك مغرياتٍ أخرى بخلاف الرواتب المحددة لشاغليها، والمميزات التي سيحصلون عليها.

فبالنسبة لمن يحالفهم الحظ لنيل وظيفةٍ حكوميةٍ في الهند، يمكن أن يشكل ذلك تعزيزاً أيضاً لمكانتهم وحظوظهم في سوق الزواج المرتب أو المخطط له. وقد تم تناول هذه القضية في فيلم "نيوتن" الذي عُرِض عام 2017، ومثّل الهند رسمياً في المنافسة على الفوز بجائزة الأوسكار في فئة "أفضل فيلم أجنبي". فبحسب الأحداث، يعتبر بطل العمل الذي يحمل اسم "نيوتن كومار" ويقوم بدوره الممثل "راجكومير راو"، أن وظيفته الحكومية المتواضعة تشكل مزيةً له في رحلة بحثه عن شريكة حياة.

وفي أحد المشاهد يقول له والده: "والدها مقاولٌ وأنت مسؤولٌ حكوميٌ. إنها لحياةٌ من الترف أما أمه فتضيف بالقول: "لقد عرضوا أيضاً مهراً قيمته مليون روبية جنباً إلى جنب مع دراجةٍ ناريةٍ".

ويحظى العمل في السكك الحديدية - على وجه الخصوص - بوضعٍ معتبرٍ في الذهنية الهندية والثقافة المجتمعية في هذا البلد. فالتنقل بالقطار في الهند يخطر بذهن المرء، ما إن تخطر بباله فكرة الترحال بين أرجائها، تماماً كما يحدث إذا ما فكرت في أن تجوب أنحاء الولايات المتحدة، ولكن الفارق هنا هو أن السفر على متن سيارة، هو ما سيتبادر إلى ذهنك في الحالة الأمريكية.

ووفقاً لمقالٍ نُشِرَ في أغسطس/آب 2017، يفوق عدد ركاب العربات مكيفة الهواء في القطارات الهندية (التي تشمل كذلك عرباتٍ غير مزودة بنظام تكييف الهواء) أولئك الذين يستخدمون الرحلات الجوية الداخلية التي تُسيّرها شركات الطيران العاملة في هذا المجال مجتمعة.

كما أن هناك بلداتٍ ومدناً هندية تدين بالفضل في ما لحق بها من تطورٍ، لوجودها على خريطة السكك الحديدية، مثل غوريكبور وجانسي بولاية أوتار براديش وإيتارسي الواقعة إلى الجنوب منهما في ولاية ماديا براديش. كما يحظى العمل في الحكومة بالتقدير والتبجيل بشكلٍ تقليدي، بين سكان المناطق النائية البعيدة عن المدن في الهند.

ويقول "أميتاب كَري" المدير التنفيذي للجان المسؤولة عن التوظيف في هيئة السكك الحديدية الهندية إن هذه المناطق "كانت في الأصل عبارةً عن مجتمعاتٍ زراعيةٍ وإقطاعيةٍ؛ حيث يُكسِبُ العمل في وظيفةٍ حكوميةٍ صاحبه مكانةً اجتماعية.. هذه العقلية لا تزال قائمةً حتى اليوم".

ويبدو ذلك جلياً إذا نظرت إلى المؤسسات الأكثر رفعة ومقاماً على السلم الإداري الحكومي في الهند، مثل تلك المعروفة باسم "الخدمة الإدارية الهندية"، والتي تحظى بمكانةٍ مرموقةٍ للغاية. فالعدد الأكبر ممن ينجحون سنوياً في الالتحاق بالعمل في هذه المؤسسة، يأتي بانتظام من ولايتيْ أوتار براديش وبيهار الواقعتين في وسط البلاد.

بجانب ذلك، قال مسؤولٌ كبيرٌ في هيئة السكك الحديدية الهندية - تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته - إن الهيئة تتلقى سنوياً طلباتٍ من 15 ألفاً من موظفيها في المتوسط لنقلهم للعمل في بلداتهم ومدنهم الأصلية. ويضيف الرجل بالقول: "غالبية هذه الطلبات يطلب (أصحابها) النقل إلى أوتار براديش وبيهار".

لكن هاتين الولايتين - اللتين تشكلان منطقةً تُعرف باسم "الحزام البقري" حول نهر الغانج - من بين أكثر الولايات الهندية معاناةً من الفقر والأمية. ومن ثم فإن الحصول على وظيفةٍ حكوميةٍ يمنح السكان الفرصة للنقل بعد فترةٍ للعمل مجدداً حيث وُلِدوا ونشأوا، بدلاً من قضاء حياتهم في العمل بعيداً عن تلك المناطق.

وإذا أضفت عامليْن مثل الزيادة السكانية الهائلة وندرة الوظائف في هاتين الولايتين إلى ما سبق، ستجد أن كل ذلك سيُنْتِجُ سعياً محموماً ومهووساً تقريباً من قبل سكانهما للحصول على أي وظيفة حكومية. من بين الأمثلة على ذلك، حالة "دي تي" وهو شرطي يعمل في قوة حماية السكك الحديدية، آثر الاكتفاء بالحروف الأولى من اسمه.

فلم يحظ هذا الرجل بوظيفته الحكومية تلك سوى بعد 24 محاولة فاشلة، شملت التقدم للانضمام إلى الجيش الهندي، وكذلك للعمل في قوة الشرطة الموكل إليها حراسة الحدود بين الهند ومنطقة التبت ذاتية الحكم في الصين.

أما رفيقه وزميله في العمل "جيه إس" - الذي فضل أيضا إخفاء هويته - فقد قضى أربع سنواتٍ من حياته، في محاولاتٍ محمومةٍ للالتحاق بالعمل في مصالح حكوميةٍ هنديةٍ متنوعةٍ، شملت شرطة ولاية أوتار براديش، وكذلك قوة الشرطة المركزية المكلفة بتأمين المصانع.

وعلى الجانب الآخر من الصورة، نجد "أنوديب داريشاتي" الموظف السابق في شركة "غوغل"، الذي نجح هذا العام في الظفر بوظيفةٍ في هيئة "الخدمة المدنية الهندية" المرموقة، وذلك بعدما خاض هذا الشاب البالغ من العمر 28 عاماً، الاختبارات الخاصة بذلك لسبع سنواتٍ متتاليةٍ، قبل أن يحالفه الحظ في نهاية المطاف.

من جهة أخرى، يمكن أن يكون للتقدم بطلب توظيف في السلك الحكومي الهندي جانبٌ عائلي أيضاً. فزوجة الشرطي "جيه إس" تدرس في الوقت الراهن، لتصبح مؤهلةً للحصول على وظيفة مُعلمةٍ في إحدى المدارس الحكومية بمدينة "غازي آباد" في ولاية "أوتار براديش"، التي نشأت فيها وزوجها. ويقول الزوج: "عندما تجد وظيفةً، سأتقدم بطلبٍ للنقل خلال عامٍ أو نحو ذلك".

ولا يفوتنا هنا الحديث عن "بريا" زوجة "أنيش تومار" الذي تحدثنا عنه في بداية هذه السطور، فهي قد أعلنت اعتزامها السعي بدورها لنيل الوظيفة، التي يحاول زوجها الظفر بها في المستشفى التابع لهيئة السكك الحديدية الهندية.

اللافت أن هذه السيدة لا ترى أنها تتنافس مع زوجها في هذا المضمار، وإنما تعتبر أن تقدمها بطلبٍ للالتحاق بهذه الوظيفة، ربما سيعزز فرصة أن يحصل أحد أفراد الأسرة على عملٍ حكومي مرغوبٍ فيه بشدة. وتقول في هذا الصدد: "لِمَ لا؟.. فأول راتبٍ للملتحق حديثاً بالوظيفة مُجزٍ بشدة، كما أنها ستُكْسِب أسرتي مكانةً ومنزلةً ومهابةً".



بي بي سي عربي






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 869


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2018 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة