جذور تجربة الصيرفة الإسلامية و آثارها السالبة علي القطاع المالي في السودان و آلية الخروج منها (7/10)

الهادي هباني

الآثار المترتبة علي أسلمة سوق رأس المال:

يعتبر تأسيس سوق الخرطوم للأوراق المالية أحد أهم مظاهر التطور في بنية الطبقة الرأسمالية في بلادنا و تحولها لطبقة طفيلية تراكم ثرواتها و رؤوس أموالها من خلال أنشطة وهمية تتم علي هامش الإقتصاد الحقيقي دون أن تقدم له شيئا. و قد قامت الطبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة الحاكمة في سبيل خلق إقتصاد وهمي طفيلي لمضاعفة ثرواتها بخصخصة مؤسسات القطاع العام و بيع أسهمها لمستثمرين محليين من ذات الطبقة و كذلك لمستثمرين أجانب و إدراجها في سوق الخرطوم للأوراق المالية التي بدأت نشاطها في السوق الثانوي عام 1995م بعدد 34 شركة مدرجة كما أسلفنا و تبلغ حاليا 60 شركة بالإضافة إلي 27 صك استثمار و 45 شهادة استثمار مدرجة في السوق حتي نهاية 2013م (KSE, 2013). و تعتبر سوق الأوراق المالية سوق طفيلي وهمي غير منتج بالضرورة له إنعكاساته السالبة علي القطاع المالي و علي الإقتصاد الكلي عموما و من أهم تلك الإنعكاسات:

1- تتعارض فكرة السوق الثانوي للأوراق المالية عموما علي عكس ما يعتقد البعض مع مفهوم سوق رأس المال كسوق دوره الرئيسي هو الحصول على الأموال من الوحدات ذات الفائض و توفيرها للوحدات ذات العجز و التى تنقسم بدورها إلى سوق رأس المال قصير الأجل و يطلق عليها “سوق النقد” و تتمثل فى البنوك التجارية، و سوق رأس المال طويلة الأجل المتمثلة فى سوق الإصدارات الأولية أو سوق إصدارات و اكتتابات الأسهم و السندات للإستثمارات الإنتاجية طويلة الأجل. فالسوق الثانوي للأسهم العادية و الممتازة و السندات و التى يطلق عليها عرفا بالبورصة أو سوق الأوراق المالية هى سوق هامشية قصيرة الأجل يتم فيها السماح بتداول الأسهم و السندات التى تم إصدارها سلفا فى سوق الإصدارات الأولية و التى لا تذهب فيها قيم التبادل اليومية للجهة الأولية المصدرة للأسهم أو السندات و إنما لمالكيها في السوق الثانوي بهدف توفير السيولة لهم متى ما احتاجوا لها. و هدف المستثمر في هذه السوق الربح السريع (السهل) كبديل للإستثمار المباشر طويل الأجل الذى هو فى حقيقة الأمر عصب الاقتصاد و الذى يسهم فى تنمية الدخل القومي و الناتج المحلى الإجمالى بشكل فعال و مباشر بينما فى السوق الثانوية يتم تبادل أموال ضخمة لا تستفيد منها الشركات و الاستثمارات التى يتم تبادل أسهمها و التى هى فى الأصل قائمة على هامشها. فهذه الأموال فى حد ذاتها (كنتاج مباشر للمضاربات اليومية فى الأسهم و السندات) تظل دائما خارج نطاق دورة تدفق الدخل القومي و تعتبر سحب منها و ليس إضافة لها. و هي بهذا التوصيف كانت و لا زالت مكان خصب للفقاعات المالية و سبب رئيسي لكل الأزمات المالية التي ضربت العالم الرأسمالي الحر و إنتقلت منه إلي معظم دول العالم و من أشهرها أزمة الكساد العظيم عام 1928م و أزمة الرهن العقاري عام 2008م. و لعل واقع ما يتم تداوله اليوم في سوق الخرطوم للأوراق المالية من شهادات و صكوك استثمار حكومية يمثل فقاعة حقيقية قابلة للإنفجار في أي وقت.

2- علي الرغم من أن شهادات شهامة و أخواتها المتداولة في سوق الخرطوم للأوراق المالية حسبما هو معلن و مصرح به في نشرات الإصدار الخاصة بها هي صكوك مالية أو شهادات مسنودة بأصول حقيقية تصدرها وزارة المالية بصيغة المشاركة في أصول مملوكة جزئياً أو كليا للدولةً في بعض الهيئات والمؤسسات والشركات التي يتم انتقائها علي افتراض أنها شركات تتميز بربحيتها العالية و إدارتها المتميزة و تخصصها في قطاعات اقتصادية رائجة مثل سوداتل، شركة النيل للزيوت، شركة أرياب للتعدين، الشركة السودانية لخطوط أنابيب البترول، شركة جياد وغيرها. إلا أن ملكية حملة الصكوك في أصول هذه الشركات ملكية وهمية غير حقيقية ليس لديها ما يثبتها في البيانات المالية المعلنة لهذه الشركات المذكورة و أن المقصد الرئيسي من اصدارها هو الحصول علي النقد لتغطية العجز في إيرادات الخزانة العامة للدولة و لكن بلباس اسلامي. فالعلاقة التعاقدية في شهادات إجارة البنك المركزي (شهاب) مثلا تقوم بين ثلاثة أطراف يقوم بموجبها المستثمر بتوكيل شركة السودان للخدمات المالية (الوكيل) لشراء حصص شائعة معلومة في عقارات مملوكة للبنك المركزي (البائع في المرة الأولي و المستأجر في المرة الثانية) و إعادة تأجيرها له لمدة عشرة سنوات قابلة للتجديد لمدد أخري مشابهة. فالصكوك التي يتم تسليمها للمستثمرين تفيد بأن لحامل الصك حصص ملكية في عقارات بنك السودان و لكن لا يوجد بيده ما يفيد تسجيل هذه الحصص بإسمه في الإدارة المعنية بتسجيل العقارات و هي مصلحة الأراضي. و بالتالي فإنه في حالة التعثر في سداد مستحقاتها من قبل بنك السودان يكون بيد المستثمرين صك ملكية يمكنهم من مطالبة بنك السودان من سداد مستحقاتهم و لكن لا يوجد بيدهم ما يثبت ملكيتهم الحقيقية لتلك العقارات مسنودة بشهادات بحث صادرة من مصلحة الأراضي. و بالتالي يصبح المستثمرين عرضة لخسارة مبالغهم التي استثمروها في شراء هذه الصكوك بالإضافة للعمولات التي دفعوها لشركات الوساطة و كذلك نصيب شركة السودان للخدمات المالية نظير وكالاتها في شراء تلك الصكوك نيابة عن المستثمرين فالعلاقة بين شركة السودان للخدمات المالية و بين المستثمر تقوم علي أساس المضاربة حيث يمثل المستثمر ربا للمال و تمثل الشركة مضاربا و يتم إقتسام الأرباح بين الطرفين علي أساس نسب أرباح تتراوح ما بين 92% إلي 95% لرب المال و 5% إلي 8% للمضارب.

فالقاعدة الفقهية المتفرعة عن أحد أهم القواعد الفقهية الكلية المعروفة القائلة بأن (الأمور بمقاصدها) تقول أن (العبرة في العقود للمقاصد و المعاني لا للألفاظ و المباني) و بالتالي فإن العبرة في مدي شرعية شهادات شهامة و أخواتها ليست في صيغة و شكل و نماذج العقود التي يتم تفصيلها، و إنما في المقاصد و الغايات من إصدارها، فلا يستوي أن تكذب علي الناس و توهمهم بأنهم شركاء في شركات لا يعلمون عنها شيئا و أن أموالهم عن الشهادات التي يحملونها سيتم استثمارها في المشاريع و الأنشطة الرابحة لهذه الشركات بينما يتم استخدامها في حقيقة الأمر في أوجه صرف لا تمت لها بصلة و تؤدي في نهاية الأمر إلي ضياع مدخراتهم و إفقارهم و في تدمير الإقتصاد الوطني تتمثل في الصرف علي الأمن و الحرب و أجهزة الدولة المترهلة. فهذا بجانب أنه ربا محرم شرعا فهو أيضا غرر و تدليس و خداع للناس و تسويف لمقاصد الشريعة. هذا و من جهة أخري فإن ارتفاع العائد عليها و الذي بلغ (حسبما هو منشور علي موقع شركة السودان للخدمات المالية) في المتوسط ما يقدر بحوالي 19% تقريبا منذ بدء العمل بها في منتصف التسعينات من القرن الماضي إلي يومنا هذا (و هو معدل مبالغ فيه يتجاوز حدود العوائد المتعارف عليها عالميا و تاريخيا في كل أسواق رأس المال المشروعة في العالم) دون أن تحقق خسارة و لو مرة واحدة برغم التدهور المريع الذي يشهده الاقتصاد السوداني طوال هذه السنوات مما يؤكد أن الأرباح التي توزعها الحكومة عبر شركة السودان للخدمات المالية مجرد أرباح وهمية غير حقيقية يتم تغطيتها من إيرادات الدولة الأخري من الضرائب و الجبايات و التي من المفترض أن تذهب للصحة و التعليم و التنمية أو يتم سداد أرباح الإصدار السابق من حصيلة الإصدار الذي يليه و هكذا في حين يتضاعف حجم الدين علي الحكومة من شهادات شهامة و أخواتها باستمرار و ينذر بإنفجار هذه الفقاعة التي ستكون لها آثار كارثية علي الإقتصاد الكلي و علي القطاع المصرفي خاصة و أن الشهادات و الصكوك الحكومية المتداولة في سوق الخرطوم للأوراق المالية تمثل 80% من إجمالي قيمة الأوراق المتداولة في السوق (Siddig, 2014) بالإضافة إلي أن البنوك تحتفظ مجبرة بأرصدة ضخمة من هذه الشهادات الحكومية التي يتم تمديد فترة إستحقاق سدادها من بنك السودان بشكل شبه مستمر.

3- لقد أفرزت الآليات و القوانين الحالية الحاكمة لهذه السوق الكثير من الكيانات الطفيلية التى تستفيد منها و هى تمارس دورا لا يضيف للاقتصاد الحقيقى شيئا مثل شركات الوساطة و الإدارت المختلفة المترهلة للسوق المكتظة بجيوش لا حصر لها من العطالة المقنعة التي تبدد الفائض الإقتصادي في شكل إمتيازات و مخصصات لا طائل لها لكبار العاملين بها خاصة ذوي المناصب العليا دون أن يكون لها قيمة مضافة للإقتصاد الكلي. ففى أزمة الرهن العقاري عام 2008م مثلا استفادت السوق الثانوية من طرح سندات ديون الرهن العقاري للتداول و استفادت شركات الاستثمار و الوساطة لكن فى المقابل انهار الاقتصاد و دخل فى مرحلة الركود التام.

4- الرغبة فى الكسب السريع مع حداثة التجربة و عدم توافر الخبرة و الدراية الكافية لقطاعات واسعة من العاملين و غير العاملين و المتعاملين مع السوق الثانوية فضلا عن ضعف أجهزة الرقابة الدقيقة على هذه السوق و وجود أسواق موازية لها تتم فيها عمليات بيع و شراء أسهم و شركات (كصفقة بيع شركة إتصالات الإماراتية لحصتها في شركة كنار لبنك الخرطوم) جعلها معقلا للفساد و الثراء غير المشروع و المتاجرة بالمعلومات و شراء الشركات الفاشلة و إعادة هيكلتها صوريا و تضخيمها و إدراجها فى سوق الأوراق المالية.

[email][email protected][/email] [COLOR=#FF0026]الحلقة السادسة :[/COLOR] [url]http://www.alrakoba.net/news.php?action=show&id=240924[/url]
زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..